المسلمون في الهند: كثيرون ..لكنهم مُهمَلون

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 3/3/2013

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

 

لعل مما يوحي بشيء من الأمل أن ردة الفعل العامة في الهند كانت خافتة، على الرغم من كل الرعب الذي انطلق عندما انفجرت قنبلتان وضعهما متشددون إسلاميون مُفترضون وسط حشد في مدينة حيدر أباد يوم 21 شباط (فبراير) الماضي. وقد قتلت الانفجارات 16 شخصاً وجرحت 117 آخرين. وتشير كل من طريقة الهجوم (وضع القنابل في صناديق غذاء معدنية مربوطة إلى دراجات) ومكان حدوثه (بالقرب من معبد هندوسي) إلى مجموعة إسلامية من الداخل: "المجاهدون الهنود".
وباستثناء نقاش موجز عن اختصاص الشرطة وعن كفاءة وزير الداخلية، رد الهنود على الحادثة برباطة جأش. إن الإرهاب هناك ليس أصيلاً، كما أصبحت التفجيرات أقل تواتراً ودموية في الآونة الأخيرة. وقد سارع المسلمون على نطاق واسع، بمن في ذلك الساسة في حيدر أباد، إلى وصف هذا العمل الأحدث من أعمال العنف بأنه اعتداء على كل الهنود؛ وردد الساسة الهندوس صدى أصواتهم. وبعد ذلك بيومين، في دروب غانج تاج المليئة بالماعز، وهي منطقة مسلمة في أغرا، جنوب دلهي، العاصمة، قال المتحدرون من نسل العمال الذين بنوا تاج محل بابتهاج أن الأديان في الهند طالما كانت تتعايش معاً بشكل حسن. وليس هناك أي سبب للتغيير الآن.
 والاعتدال أمر مشجع، خاصة في ظل الزيادة المطردة في أعداد المسلمين في الهند. وليس هناك حتى أي تحليل بيانات رسمي عن الأديان في تعداد 2011. وقد يكون أي تأخير في هذا الصدد متعمداً: لتجنب إحداث ضجة قبل الانتخابات العامة المقرر إجراؤها في العام المقبل. ورُبما ينظر إلى ارتفاع معدلات الخصوبة بين المسلمين بوصفه مسألة حساسة من الناحية السياسية. لكن الدراسات الخاصة تعتقد بأن في الهند ما يقارب 177 مليون مسلم، والذين يشكلون 14.6 ٪ من مجموع السكان. ويشكل ذلك ارتفاعاً ملحوظاً من 40 مليوناً تقريباً، أو نقطة مئوية واحدة، عما كان عليه الوضع قبل عقد من الآن. وسوف تضمن الخصوبة العالية أن يظل هذا الاتجاه التصاعدي مستمراً. ومع أن معدل الخصوبة ينخفض بشكل عام في الهند، إلا أنه ينخفض بوتيرة أبطأ ما يكون بين المسلمين. ما تزال العادات القديمة قائمة، وثمة القليل من النساء المسلمات اللواتي يعملن خارج المنزل. كما أن وسائل منع الحمل لا تستخدم كثيراً.
بشكل حتمي، تميل معدلات الخصوبة إلى الانخفاض فقط عندما ينخفض مستوى الفقر. ويبقى المسلمون في الهند أكثر فقراً من المتوسط، وهم متواجدون بكثافة في الولايات الشمالية الكبيرة الفقيرة. ووفقاً لدراسة أجراها مركز بيو للأبحاث، فإنه ربما يكون في الهند 236 مليوناً من المسلمين في غضون عقدين من الزمان، على نحو يناظر أندونيسيا (التي تضم أكبر عدد من السكان المسلمين في العالم). وهذا كثير، لكنه يظل يشكل خُمس عدد السكان الإجمالي للهند. ويبقى التغير أكثر دراماتيكية في بعض الولايات. ففي ولاية أسام في شمال الشرق، يشكل المسلمون الآن ثلث السكان، وهو ارتفاع حاد حدث خلال العقدين الماضيين (على الرغم من أن الهجرة مسؤولة عن جزء منه).
وحيث يكون التغير السكاني سريعاً، فإن نجوم الفوضى وعدم الاستقرار قد يتبعان. ففي العام الماضي، قتل 77 شخصاً وشرد 400.000 في ولاية أسام، وسط اشتباكات بين المستوطنين المسلمين وجماعات بودو القبَلية التي تشعر بأن أراضيها أصبحت تحت التهديد. ومع ذلك، لم يكن النمو السكاني وحده هو الذي أثار العنف في ولاية أسام. كانت الولاءات السياسية المتغيرة تشكل عاملاً أيضاً.
وفي الأماكن الأخرى، ربما تنمو مشاعر الاستياء بين المسلمين إذا لم يتم بذل ما يكفي من الجهد من أجل إنصافهم ومعالجة تخلفهم الاقتصادي. ولم يتم بذل أي جهد جدي مسؤول لغاية تقييم حصة مسلمي الهند منذ نشر دراسة في العام 2006، كان قد أمر بإعدادها رئيس الوزراء، مانموهان سينغ. وكان التقرير الذي أُسمي "تقرير ساشار" قد أظهر على نطاق واسع كيف أن المسلمين عالقون في قاع كل جانب من جوانب الترتيبات الاقتصادية أو الاجتماعية تقريباً. وعلى الرغم من كونهم حضريين إلى حد كبير، كانت للمسلمين حصة منخفضة بشكل خاص من فرص العمل العامة (أو أي أعمال رسمية)، ومن حصص المدارس والجامعات، ومن المقاعد في السياسة. وهم يكسبون أقل من المجموعات الأخرى، حيث يبقى معظمهم مستثنين من البنوك ومصادر التمويل الأخرى، ويمضون سنوات أقل في المدرسة، ولديهم معدل تعليم أقل. كما دخلت قلة قليلة إلى حد يدعو للرثاء في قطاعات الجيش أو قوات الشرطة.
والآن، بعد سبع سنوات وطفرة اقتصادية، هل أصبح المسلمون الهنود أفضل حالاً؟ يرى وجاهات حبيب الله، الذي يرأس اللجنة الوطنية للأقليات في دلهي، أسباباً قليلة جداً للشعور بالبهجة. إن المسلمين في الهند يتفوقون على جيرانهم في باكستان في بعض المؤشرات الاجتماعية، مثل تمتعهم بمعدلات خصوبة أعلى ووفيات أطفال أقل، وبمستويات أعلى من التعليم ومتوسط العمر.
كما يرى حبيب الله أيضاً توقاً قوياً بين المسلمين للتعليم، بما في ذلك للفتيات، وهو الأمر الذي كان غائباً في السابق. وذلك يهم، وخاصة تعلم الإنجليزية، الذي يمكن أن يعرض مساراً إلى وظائف أفضل في الوقت الذي تتلاشى فيه العمالة في الحرف التقليدية للمسلمين، مثل دبغ الجلود والنسيج والمعادن، والصناعات التحويلية ضيقة النطاق. والآن، أصبحت الأحياء الفقيرة في شرق دلهي، حيث يعيش كثير من المسلمين، موطناً لبعض المدارس الجديدة الممتازة للبنين والبنات.
ومع ذلك، يبقى هناك الكثير مما لا يبدو مشجعاً. وهناك دراسة حديثة أجرتها المؤسسة الفكرية الأميركية، معهد السياسات الهندية-الأميركية، وهدفت إلى قياس التقدم الذي تم إحرازه منذ تقرير ساشار، والتي خلصت صراحة إلى أن المسلمين "لم يظهروا أي تحسن يمكن قياسه". وحتى في التعليم، ظلت مكاسب المسلمين نمطياً أكثر تواضعاً من مكاسب المجموعات الأخرى.
وهناك الكثير جداً من الجهود الرسمية المبذولة للمساعدة المباشرة، من خلال إنفاق المزيد على المدارس في الأحياء المسلمة على سبيل المثال، تفشل أيضاً. وكثيراً ما تُسرق الأموال أو يجري تحويلها إلى المتلقين من غير المسلمين، كما يقول السيد حبيب الله. ومن الجدير بالملاحظة بنفس المقدار أن الأكثر يتم تخصيصه لمعالجة الفقر في المناطق الريفية، مع خطط لخلق الوظائف، ومنح الإعانات للمزارعين، وتحديد الأسعار بأعلى من مستويات السوق للمنتجات الزراعية الوفيرة. لكن المسلمين الذين يعيش معظمهم في المدن، يعانون من الإهمال النسبي.
ومع ذلك، يمكن أن تتغير الأمور من خلال السياسة. فلطالما اعتمد حزب المؤتمر الحاكم في الهند، تقليدياً، على أصوات القرويين، وكذلك على الدعم الثابت من المسلمين، حتى يزدهر في الانتخابات. ولكن، إذا أصر أكبر حزب في الهند على أخذ المسلمين كأمر مضمون ومسلم به، فإنهم سينصرفون عنه باحثين عن أحزاب أخرى حيث يمكن أن يكون لهم نفوذ سياسي. وفي ولاية أوتار براديش، استطاع حزب ساماجوادي الحاكم هناك أن ينتزع أصوات المسلمين. وفي أماكن أخرى، كما هو الحال في حيدر أباد، يلقى المسلمون بثقلهم الآن وراء الأحزاب التي تستجيب صراحة لمصالحهم. ويمكن لتنظيم سياسي أفضل، وفي الوقت المناسب، أن يجلب لهم فوائد اقتصادية في المستبقل.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
 India’s Muslims: Growing, and neglected

ala.zeineh@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018