الخطاب الأميركي العابث بينما غزة تحترق

روبرت درايفوس — (ميدل إيست أونلاين) 17/11/2012

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

 

في العامين 2008 و2009، وخلال عملية إسرائيل لغزو غزة، والتي سميت عملية "الرصاص المصبوب" وأفضت إلى مقتل 1400 فلسطيني دون إنجاز أي شيء جيد، اختلطت الأمور على إدارة جورج دبليو بوش بشكل مشهود، ووقفت على الهوامش تدافع كل الوقت عن حق إسرائيل في "الدفاع عن النفس." فهل يفعل الرئيس أوباما نفس الشيء في العام 2012؟
وليس من المؤكد بأي طريقة أن إسرائيل سوف تغزو غزة مرة أخرى. لكنني لم أر، حتى الآن، أي إمارة تشير إلى أن البيت الأبيض يدعو إلى ممارسة ضبط النفس على الجانب الإسرائيلي، باستثناء توجيه الدعوات لها بتفادي إيقاع إصابات بين المدنيين. وفيما يلي ما قاله جي كارني، الناطق بلسان البيت الأبيض:
"إننا ندين بشدة إطلاق الصواريخ من غزة على إسرائيل، ونأسف لمقتل وجرح المدنيين الإسرائيليين والفلسطينيين الأبرياء بسبب العنف الذي تلا. وليس ثمة من تبرير للعنف الذي تعتمده حماس وغيرها من المنظمات الإرهابية ضد مواطني إسرائيل. وإننا ندعو أولئك المسؤولين إلى وقف كل تلك الأعمال الجبانة من أجل إتاحة المجال أمام نزع فتيل التصعيد."
وفي... محادثات مع (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس المصري محمد مرسي)، أعاد الرئيس التأكيد على دعم الولايات المتحدة لحق إسرائيل في الدفاع عن النفس. وأيضاً، حث الرئيس أوباما رئيس الوزراء نتنياهو على بذل كل جهد ممكن لتفادي إلحاق خسائر في صفوف المدنيين.
وفي الأثناء، تدعي حماس بأنها تحاول الإبقاء على أفضل المصالح بالنسبة للشعب الفلسطيني في القلب، لكنها تستمر مع ذلك بالانخراط في العنف الذي يفضي إلى نتائج مضادة تضر بالقضية الفلسطينية. ولا تساعد عملية مهاجمة إسرائيل بإيقاع يومي في تحريك الفلسطينيين في غزة أقرب نحو تحقيق تقرير المصير.
لكن، وكما يعرف البيت الأبيض، فإن هجمات الصواريخ من جانب حماس لا تعدو كونها وخزات وحسب عند مقارنتها بالقوة النيرانية اللانهائية التي تمتلكها إسرائيل. نعم، لقد سقطت مئات من صواريخ غزة في داخل إسرائيل هذا العام، لكن الغالبية العظمى لم تحدث أي ضرر من أي نوع، وانفجرت في حقول فارغة. كما يتم إطلاق معظم هجمات الصواريخ خلال حالات انفجار الأوضاع، وغالباً رداً على اشتباك مع إسرائيل أو رداً على هجوم إسرائيلي على موقع في غزة. وبالإضافة إلى ذلك، تشن العديد من الهجمات من غزة من جانب فصائل إسلامية راديكالية تحاول جر حماس إلى أعمال أكثر قتالية.
وإذن، هل يطلب أوباما من نتنياهو عدم غزو غزة، بالطريقة التي طالبت فيها الولايات المتحدة إسرائيل –تحت حكم بوش وأوباما على حد سواء— بعدم مهاجمة إيران؟ لا دليل على هذا حتى كتابة هذه السطور.
ويقول العديد من المحللين أن إسرائيل لم تسع إلى الحرب، وإنما إلى تعزيز صورة نتنياهو، الولد الفظ، استشرافاً للانتخابات الإسرائيلية في شهر كانون الثاني (يناير) المقبل. ربما يكون الأمر كذلك. صحيح أن حرباً في غزة يمكن أن تفضي إلى مستنقع آخر، سوية مع دعاية سيئة تلحق بإسرائيل، ما يخلق فضاءً لمنتقدي نتنياهو من اليسار لمهاجمته. لكنه عادة ما يكون رهاناً آمناً أن تحظى الحروب والغزوات التي تشنها إسرائيل في نهاية المطاف بالشعبية لدى جمهور إسرائيل القابل للتحمس والإثارة.
 وفي العموم، شكلت الأزمة اختباراً مطلقاً لأوباما فيما يتصل بالتحول الأخير في الشرق الأوسط. فالتغيرات التي حدثت في مصر، وارتقاء حكومة إسلامية مؤيدة للفلسطينيين في تركيا، والحالة الملتهبة في عموم المنطقة، تعني أن الحكومات في المنطقة أصبحت الآن أكثر تجاوباً بكثير مع الرأي الشعبي (حتى ولو أنها ما تزال ديمقراطيات غير كاملة). وقد أصبح "الشارع" العربي يعني شيئاً أكثر مما فعله، قل، خلال غزو العراق في العام 2003.
 وفي مصر، تعاني الحكومة من وضع حرج. وقد نظم الإخوان المسلمون احتجاجات في الشوارع على العملية الإسرائيلية ضد غزة، كما أن قادة الحركة في القاهرة دانوا بشدة هجمات إسرائيل. وزار رئيس الوزراء المصري (هشام قنديل) غزة، حيث انسكب دم من طفل قتيل على ملابسه حين كان يزور أحد المستشفيات. لكن مصر لا تقوى على النهوض بأعباء صراع مع إسرائيل على الصعد السياسية والاقتصادية والعسكرية على حد سواء. ومن جهتها، تدرك إسرائيل أن مصر لن تتدخل بالذهاب إلى ما وراء الكلمات لو أنها غزت غزة مرة أخرى. لكن الدماء التي تسفك والغضب الذي تراكم في المنطقة بسبب العملية الإسرائيلية انطويا على خطورة عالية مصحوبة بما لا يمكن التنبؤ بعواقبه ونتائجه.
ربما كان من الكثير جداً –حسناً، لقد كان كثيراً جداً— التوقع من إدارة أميركية أن تدين حرباً بدأتها إسرائيل. لكن أفضل رهان وفرته الأزمة لأوباما كان العمل مع مصر وتركيا لتأسيس وقف إطلاق مستقر للنار، من شأنه وقف السماح بتدفق التجارة الطبيعية من غزة إلى مصر والعكس بالعكس، وبنوع ما من الرصد الدولي للصراع بين إسرائيل وغزة، وباتفاقية بين حماس وإسرائيل لوقف الهجمات الانتقامية المتبادلة. ومن شأن ذلك أن يشكل أساساً لجهد لأوباما في رئاسته الثانية في التعامل بجدية مع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
لكن الأمور لم تسر على هذا النحو خلال الأزمة.


 * محرر مسهم في مجلة "ذا نيشن"، وهو صحفي استقصائي في ألكساندريا بولاية فرجينيا، متخصص بالسياسة والأمن القومي. وهو مؤلف "لعبة الشيطان: كيف ساعدت الولايات المتحدة في صناعة الإسلام المتشدد."
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
 Fiddling While Gaza Burns

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018