خيانة فرنسا

سيفر بلوتسكر-يدعوت احرونوت
قبل أربع سنوات، في احتفالات يوم الباستيل في 14 تموز 2008، شرف ضيف سياسي هام بحضوره القصر الرئاسي الفرنسي. وامام السياسي وزوجته الحسناء مد بساط أحمر، والمكتب الإعلامي لقصر الرئيس حرص على ان يبعد عنهما صحفيين لجوجين. لم تجدِ احتجاجات منظمة "صحفيون بلا حدود": في إعلان المنظمة اعرب عن "الصدمة" من قرار الرئيس الفرنسي ان يستضيف في الاحتفالات "احد الطغاة سيئي السمعة في العالم، الذي يقف على رأس دكتاتورية تسحق حقوق الإنسان". الاحتجاج لم يؤثر، وفي يوم الباستيل ظهر بالفعل السياسي وزوجته الى جانب الرئيس الفرنسي وزوجته. السياسي، سهل على المرء ان يخمن، لم يكن أحدا غير بشار الأسد. ورئيس فرنسا كان نيكولا ساركوزي.
منذئذ وحتى الشهر الذي اندلعت فيه الاضطرابات والمظاهرات، بذلت فرنسا ساركوزي كل ما في وسعها كي تُستطاب من نظام الأسد: تملقته، امتدحت حكمته واعتداله ومجدت قدرته على المساهمة في سياقات السلام في الشرق الأوسط والوساطة بين الأسرة الدولية وايران. من أبدى برودة تجاه المغازلات الفرنسية كان بالذات الأسد نفسه. فقلبه لم يلن حتى بعد أن وقعت الادارة الفرنسية على اتفاق لبيع 14 طائرة "اير باص" لشركة الطيران السورية، التي عانت من مقاطعة أميركية.
من يدري الى أي قدر كانت فرنسا الرسمية ستهون لو لم يبدأ الاسد بذبح أبناء شعبه. في حزيران من العام الماضي، بعد ثلاثة اشهر من اندلاع الاحتجاج المضرج بالدماء القى وزير الخارجية الفرنسي الن جوبيه أمام الجمعية الوطنية في باريس خطابا في الموضوع السوري وقال: "ما الذي يمكننا أن نفعله؟ فرنسا لا يمكنها أن تعمل ولن تعمل في غير إطار القانون الدولي". "الشرعية الدولية" معناها قرار من مجلس الأمن في الأمم المتحدة باستخدام القوة العسكرية في سورية. كان واضحا في حينه وواضح اليوم ايضا أن المجلس بتركيبته الحالية لن يمنح مباركته لأي عملية كهذه.
الرأي العام العالمي المصدوم يرفع إصبع اتهام لـ "انعدام الوسيلة لدى الغرب". وهذا التعميم يخطئ الهدف. فالولايات المتحدة واصلت اتخاذ خط متشدد ضد نظام الأسد من المقاطعة، ذاك الخط الذي قرره سلفه جورج بوش، وردت معظم الوقت محاولات جس النبض السورية. في العقد الماضي كانت الولايات المتحدة وما تزال مشاركة في تغيير الأنظمة في العراق، في افغانستان، في مصر، في ليبيا، في البحرين وفي اليمن. ومن الطبيعي أن تحذر من الغرق في وحل شرق اوسطي آخر، الوحل السوري المضرج بالدماء. ولكن أين فرنسا؟ اين التزامها بالإنسانية، كرامة الانسان، حرية الانسان؟.
غداة انتصاره في الانتخابات، قال الرئيس الجديد، فرانسوا اولند، إنه لا ينبغي استبعاد عملية عسكرية في سورية، قال ولم يفعل شيئا غير إطلاق المزيد من التنديدات والتأييد للمزيد من "الحلول الدبلوماسية". ما الذي منعه من أن يأمر طائرات الميراج بالإقلاع من قواعدها لتقصف – ولو مجرد قصف على سبيل المثال، قيادات أجهزة الامن السورية في دمشق ومؤسسات حكم الأسد؟ فللاستخبارات الفرنسية معلومات دقيقة جدا عن مكان وجودها، واذا كانت تنقصها تفاصيل، فثمة من يمكنه أن يكمل لهم الصورة. بالمجان.
القصف كان سيؤكد جدا الرسالة العالمية للأسد: إرحل، إذا كانت حياتك غالية عليك. الطغاة، لسبب ما، لا يحبون ان يقصفوا. العلاقات الخاصة بين فرنسا وسورية تعود الى عشرات السنين. النخبة السورية تتكلم الفرنسية. معقول الافتراض بأنه حين ترفع عيونها الى جهة غربية للتدخل العسكري وتضع حدا لسفك الدماء الفظيع، فإنها تفكر بفرنسا. وحتى من بينهم رأى في الماضي الأسد كأهون الشرور، فإنهم يرونه الان كأسوأ الشرور. وهؤلاء سيرحبون بطائرات القصف الفرنسية في سماء دمشق. الرأي العام في فرنسا سيؤيد في غالبيته الساحقة مثل هذه العملية العسكرية الموضعية. وبالتأكيد سيرحب بطائرات الميراج في سماء سورية المقصوفون، المذبوحون، المعذبون والمقتولون على ايدي سرايا الأسد الهجومية.
امام أكوام الجثث المعذبة والمحترقة في أرجاء سورية لا مجال للسؤال "اين العالم؟". يجب السؤال، يجب الصراخ، "اين فرنسا؟".

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2017