لا نريد أكثر من الأردن

فهد الخيطان

حتى وقت قريب، كان بالإمكان تشخيص الموقف الأردني من التطورات الجارية في الإقليم دون عناء. في الأسابيع القليلة الماضية، بدا وكأننا قد انتقلنا من المنطقة البيضاء إلى المنطقة الرمادية.
صحيح أننا كنا غامضين في التفاصيل، لكنه غموض مبرر، ويمنحنا فرصة المناورة على الجبهات كافة، بما يخدم مصالحنا الداخلية.
منذ رفع "الراية"، حصل تطور مثير في اتجاهات الرأي العام الأردني؛ التيار العريض من المواطنين، صار يميل أكثر إلى طرح الأسئلة حول دوافع الخطوة ومراميها، خاصة وأنها تزامنت مع تطورات سياسية على الجبهة الشمالية، وتصريحات نالت اهتماما إعلاميا كبيرا في الخارج.
لماذا الأسئلة الكثيرة، ولماذا القلق؟
في اعتقادي أن ذلك مؤشر على الخوف من أن المقاربة السياسية التي حكمت الموقف الأردني من التطورات في سورية والعراق، وأمنت استقرار البلاد بشكل مثالي، في طريقها للتبدل.
لم تنجح دولة واحدة من دول المنطقة كما نجح الأردن، في الثبات على موقف متماسك حيال أزمات الإقليم. لم يكن هذا بالأمر السهل؛ فقد تطلب قدرا كبيرا من الخبرة والبراعة في إدارة الصراعات والضغوط من كل الاتجاهات، برز الملك عبدالله الثاني من خلالها قائدا استثنائيا في المنطقة والعالم.
كلما كان السؤال يتكرر على مسامعنا جميعا في الخارج؛ كيف تمكن الأردن من الصمود وسط هذه الفوضى؟ كنا ندرك أننا على صواب، وأن موقفنا سليم.
صحيح أن المتغيرات في المشهدين السوري والعراقي، ومواقف القوى المؤثرة؛ إقليميا ودوليا، تملي علينا مراجعة خططنا وسياساتنا. لكن بالرغم من كل ما يحصل حاليا، إلا أننا لم نصل بعد إلى المرحلة التي تستوجب منا نسف الاستراتيجية القائمة، أو الانتقال من مرحلة الردع إلى مرحلة التدخل المباشر.
نحن في وضع مثالي من حيث: القدرة على ضبط الحدود، وتأمين الاستقرار الأمني الداخلي، وردع الجماعات الإرهابية، وإسناد خطوط الدفاع عن أمن المملكة في العمق السوري، وكبح عمليات اللجوء. هذا إنجاز عظيم، ويكفي احتياجاتنا الداخلية. أي خطوة أبعد من ذلك، ستحمل مخاطر كبرى، ربما تقوض ما تحقق في السنوات الأربع الماضية.
أي طموح يتجاوز حدود المملكة، سيعرض الأردن للخطر. استراتيجيتنا في المرحلة المقبلة ينبغي أن تقوم على مبدأ واحد؛ إبقاء الفوضى داخل حدود دول الجوار، ومنع انتقالها إلى أراضينا.
واضح أن الحلول السياسية ليس لها فرصة في منطقة الشرق الأوسط. ما يعني أن الفوضى والحروب الأهلية مرشحة للاستمرار سنوات طويلة. علينا أن نتمسك بمقاربة "الجزيرة الآمنة".
لقد أثبتت أزمات الإقليم أن كل دولة تفكر بتجاوز حدودها، ستتورط في الفوضى؛ حرب اليمن تعطينا مثالا على ذلك. الدور التركي في سورية يستحق التأمل في هذه الأوقات. ولا ننسى لبنان أيضا، وتداعيات مشاركة حزب الله في القتال في سورية.
لا يطمح الأردنيون لأكثر من مملكتهم الآمنة والمستقرة، وهم موحدون اليوم أكثر من أي وقت مضى حول رايتها؛ راية المملكة الأردنية الهاشمية. لا نريد أكثر من ذلك.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018