منوعات

آخر العنقود.. مدلل في الصغر حتى الكبر

 منى أبو صبح

عمان – يرى الأربعيني أبو جميل أن ابنته مريم (آخر العنقود) هي أمله الجميل الرائع في الحياة، لما تتميز به من حسن خلق ووعي وطاعة لأبويها، واجتهاد في دراستها، ويصفها، بأنها “شاطرة” وحريصة على أغراضها الشخصية وعلاقتها مع الآخرين،  كما أنها تذكره بنفسه حين كان صغيرا.
ومن القصص التي يرويها أبوجميل عن ابنته أنه يوصلها في الصباح إلى المدرسة، ويعود بها إلى البيت عند انتهاء الدراسة رغم مشاغله الكثيرة، يرى أن أسعد لحظات حياته حين تجلس إلى جانبه في السيارة، وتبدأ في الحديث له عن مدرستها.
ويبين أبو جميل أن بين طفلته وأخيها الكبير 20 عاما، لذلك يشعر مع صغيرته أنه أب للمرة الأولى، لأنه لم يشعر كيف كبر أبناؤه الآخرون، خصوصا في مرحلة كان العمل يشغله عن العائلة، وهو الآن يشعر بعواطف زائدة تجاهها بشكل خاص، كما هي حال والدتها التي تصطحبها معها لدى الخروج من البيت أثناء الإجازات والعطلات، وأوضح أنه يشتري لها أفخر أنواع الملابس، ويدللها ويقبلها ويحتضنها بين ذراعيه دائماً.
ويعتبر الابن الأصغر في نظر والديه طفلاً صغيراً مدللاً حتى لو كبر وتزوج، وهذا الطفل “آخر العنقود” كلامه قطرات مملوءة بالعذوبة والرقة، وابتساماته عذبة ساحرة تملأ البيت فرحاً وأملاً وتفاؤلاً، وغضبه يجرح القلوب، وأخطاؤه مبررة وبسيطة مهما كانت فادحة، ويغري بحركاته الطفولية المتصنعة كل من حوله، ومشاغباته المحببة تستدر عواطف أبويه، ويزين لهما الحياة، ويشعرهما دوما بالأمل والفرح والأحلام السعيدة.
العشريني عادل عبد الصمد يقول، “لدي أخ يبلغ من العمر اثني عشر عاما. والداي كبيران بالسن، والمشكلة أن أخي مدلل جدا من قبل الوالدين والإخوة الكبار، وذلك للفرق الكبير بينه وبين إخوتي الكبار في السن، والمشكلة التي نواجهها معه أنه عنيد جدا، ويجب علينا تنفيذ كل طلباته”.
ويضيف، المشكلة الأخرى أنه لا يواجه بالعقاب أبدا، أنا في حيرة من أمري كيف أتعامل معه، تحدثت مع والدي باستخدام أسلوب العقاب والحرمان، ولكنّ والدتي تتنازل بسرعة، وتتعهد بأنه لن يكرر الأخطاء على مسؤوليتها، رغم أننا تلقينا العقاب والضرب في سنه جراء أخطائنا وهفواتنا، فلا أعلم لماذا هذه التفرقة التي ستؤثر بلا شك على شخصيته في المستقبل”.
وتبين الاختصاصية الأسرية والإرشاد التربوي سناء أبو ليل أن تميز أحد الأبناء عن الآخرين وبالأخص الأصغر سنا منهم ربما يخلق مشاكل اجتماعية، وقد يصدر الأمر من الأبوين بعفوية، إلا أنه قد يولد الغيرة والعدوانية بين الأبناء، فضلا عن تعرض أولياء الأمور إلى اللوم والتأنيب من الأبناء الذين حظوا باهتمام أقل من إخوتهم الأصغر سناً في حال إخفاقهم في الجانب الدراسي أو الاجتماعي.
وتضيف، مع ذلك فإن حدوث مثل ردود الفعل هذه تعتمد على البيئة الاجتماعية والأجواء الأسرية التي ينشأ فيها الفرد، فترسيخ فكرة أن الجميع أعزاء ولا فارق بينهم أمر ضروري لمنع حدوث التصادمات والمشاحنات.
وتحظى الطالبة الجامعية ليلى حسين (آخر العنقود) بمزيد من المحبة والاهتمام وسط عائلتها التي ما تزال تراها الطفلة الصغيرة الجميلة، وهذا الأمر يسعدها جدا، ويمنحها ثقة بالنفس أكبر حسب قولها.
تتابع، “أشعر بلهفة ومحبة والديّ لي دائما، وجميع أشقائي، وشقيقاتي الكبار متزوجات، ومنهم من يعدّني ابنته، فهم دائمو السؤال عني وعن أحوالي الدراسية، الصحية، الاجتماعية، لا ينسون شيئا يخصني، فأنا أقدر كل ما يفعلونه تجاهي، وأسعى دائما لإرضائهم بالمثل”.
الاختصاصي النفسي د. خليل أبو زناد يقول، “يجب على الوالدين عدم تفضيل أحد الأبناء على باقي إخوته، لأن ذلك يزرع بينهم القلق والبغضاء والكراهية والحقد للأخ المفضل الذي يحظى برعاية ومعاملة مميزة، وهذا ينعكس سلبا على السلوك العام مع الأخ المعني بالتفضيل، ومع الآخرين خارج الأسرة، كما أن التمييز يولّد سلوكا عدوانيا، وهو ما يؤثر على شخصياتهم المستقبلية”، ويشير إلى أن ديننا الحنيف تطرّق لمخاطر التفرقة بين الأبناء في المعاملة، ونهى عنها.
كما يوضح أن بعض الأسر قد تلجأ إلى تفضيل الطفل الأصغر، وتطلق عليه “آخر العنقود”، وعليه نحذَّر الوالدين من خلق فجوة عدائية بين الأبناء، والعمل على تجنب كل ما يجرح مشاعرهم، مؤكدا على حسن المعاملة، والعدل، وبث روح الألفة والإخاء بينهم.
وينصح أولياء الأمور باحتواء أبنائهم وبناتهم، ورفع مستوياتهم النفسية والاجتماعية، والمساواة بينهم في كل شيء، حتى في المحبة، والتشجيع، والمدح، والثناء، والرفع بهممهم، وعدم إحباطهم، لتفادي خلق جيل ذي سلوك عدواني.
يقول الاختصائي الاجتماعي د. حسين الخزاعي، إن عوامل التنشئة الاجتماعية والنفسية، والعلاقات القوية التي تربط أفراد مجتمعنا، وطبيعة أسرنا الممتدة، وما نحمل من منظومة قيمية، كلها عملت على تجسيد هذا السلوك وتعزيزه لدينا.
ويضيف، “إن فطرة الوالدين، وما صبغ عليه الآباء والأجداد من مشاعر وأحاسيس قوية تجاه أبنائهم جعلت من مشاعر المحبة للصغار تهيمن عليهم، فالصغير يراه الوالدان كائناً بريئاً، يستثيرهم نحوه إما من خلال البكاء الذي يعدّ وسيلته الأولى لجذب انتباههم إليه، خاصة في السنة الأولى والثانية، أو مشاعر الشفقة التي هي أنفذ إلى القلوب، ما يفضي إلى تمكن القلوب لحبه، فتراهم يوجهون جلّ اهتمامهم إليه”.

[email protected]

 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock