أفكار ومواقف

آخر المطاف

كيف كان الوضع بتصوركم قبل أن تصبح فلسطين مستعمرة بريطانية؟ كانت حرة يانعة طاهرة يعيش أهلها بطمأنينة وأمان، يؤدون أعمالهم بكل سلام وهدوء مثلهم مثل شعوب الأرض، يزرعون أرضهم ويحرثونها والرضا يعم القلوب، لم يعرفوا يوماً الخوف على أرزاقهم وحياتهم لديهم قناعة أن طريقة عيشهم تلك سيتوارثها الأحفاد جيلا بعد جيل، متمسكين بعقيدتهم وتراثهم وعاداتهم وتقاليدهم. كانوا موزعين بين أناس يعتنون بالفلاحة وآخرين يشتغلون بالتجارة وغيرهم يمتهن صيد السمك وقسم آخر يبني ويعمر، وفريق يتعلم لأنه يعرف أن العلم هو السلاح الحقيقي لتأمين مستقبلهم ومستقبل أبنائهم.
اقتلاع شعب وسرقة أرضه وقتل أبنائه وتهجيرهم من ديارهم هذا آخر ما كان في الحسبان. حياة مِلؤُها السلام والسكينة اللهم مشاق الحياة ومتاعبها يكابدونها كباقي البشر. وبعد مرور عقود جاءت الغمة وسلبت أرضهم بشتى الحجج وبدأت مسيرة العتق من قيد السجان، ناضلوا وقاتلوا وقتلت زهرة شباب أرضهم وكانوا هم الأحفاد. وبعد.. جاء جيل ورحل جيل والعذابات ما تزال قائمة والارض ما تزال في أيدي أولئك الغرباء، الذين رسوا بمراكبهم المخيفة على شواطئ بحرهم الجميل، فاندفعوا كالسيل الجارف أكل الأخضر واليابس ولم يترك سوى الدمار والألم والحزن.
وفجأة انتهى كل شيء وعاد سكان الأرض المباركة يحرثونها ويحصدون زرعهم ويبنون ويتعلمون ويعلمون ويحكون حكايا أبطالها العظام الذين رووا بدمائهم الزكية أرضهم الطيبة، وصار الألم شيئاً من الماضي. تعاقبت الأجيال والسلام صار عبيره يفوح في ربوع جناتهم وبساتينهم، وهكذا انتهت حكاية شعب أحب أرضه حبا لا نظير له وتجذرت عروقه في أعماق… أعماق أرضه كجذور شجرة الزيتون ثابتة لا تقتلعها ريح عاتية ولا تفنيها شمس حارقة.
وفي آخر المطاف هيمن السلام في كل مكان خاتماً مسيرة شعب عريق ما استكان يوماً عن المطالبة بحريته وما جبن عن الدفاع عن أمنياته وامنيات ابنائه وأحفاده، فترسخ الصبر في القلوب والعقول ليهزم أسطورة الكذب، فغادر الغريب من حيث جاء مخذولا ناكس الرأس يجر أذيال العار والخزي، تاركا خلفه ماضيا موتورا لا طعم ولا رائحة له سوى سطور سوداء في تاريخ البشرية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock