أفكار ومواقف

آخر رئيس للولايات المتحدة الأميركية؟

خلال الانتخابات الرئاسية التمهيدية داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً، طرفة بشأن السمة غير المسبوقة للرئيس الذي سيفوز في 2016، شاغلاً البيت الأبيض لأربع سنوات مقبلة. إذ من الديمقراطيين، ستكون هيلاري كلينتون “أول رئيسة (امرأة)”، أو بيرني ساندرز “أول رئيس يهودي”. فيما عن الجمهوريين سيكون ماركو روبيو “أول رئيس لاتيني”، وتيد كروز “أول رئيس كندي” (إذ كان يتمتع بالجنسية الكندية، قبل تخليه عنها في أيار (مايو) 2014). أما دونالد ترامب، بحسب الطرفة، فسيكون “آخر رئيس للولايات المتحدة الأميركية”؛ لأنه -ضمنياً- سيؤدي إلى تدميرها.
وخلافاً لكل التوقعات تقريباً، تقدم ترامب، بخطابه الشعبوي المستعلي وحتى العنصري والممتهن للنساء، على كل منافسيه الجمهوريين. وهو ما أثار شائعات، على الأقل، عن سعي الحزب الجمهوري إلى الانقلاب على نتائج الانتخابات التمهيدية، وتقديم مرشح بديل، من باب الحرص على الحزب الذي إن لم يكن قادراً على الفوز بالرئاسة بسبب شخصية ترامب، فإنه يريد الحفاظ على مقاعد الأغلبية في الكونغرس.
لكن المفارقة الأهم هنا أن الحجة ذاتها، أي حماية الحزب الجمهوري (إنما من الانقسام تحديداً، بالنظر إلى نتائج الانتخابات التمهيدية)، هي ما دفع إلى تبني ترامب رسمياً مرشحاً جمهورياً للرئاسة الأميركية. وهو ما طرح، تلقائياً، التساؤل القائم حتى اليوم: هل أصبحت غالبية مؤيدي الحزب الجمهوري، أو جزء كبير مؤثر جداً منهم، متبنين لخطاب ترامب المرفوض بكل المعايير الموضوعية؟ وبذلك، يكون التخلي عن ترامب أكثر خطراً من تبنيه، كما تم فعلاً في النهاية.
تعمق هذا الاستنتاج مع انقلاب عدد من كبار سياسيي الحزب الجمهوري على ترامب، معلنين سحب تأييدهم له، عقب ظهور شريط الفيديو الذي يتباهى فيه، قبل سنوات، بأنه يستطيع فعل ما يشاء مع النساء، لأنه مشهور. ذلك أن من سيدفع الثمن الأكبر لذاك الشريط ليس ترامب كما يبدو، وإنما الجمهوري الذي يُعد الأقوى في الكونغرس الأميركي؛ بول رايان. إذ توعده زملاء جمهوريون بعدم التجديد له رئيساً لمجلس النواب، عقب الانتخابات المقبلة، بسبب تخليه عن ترامب بسبب الشريط الذي يُفترض -منطقياً- أن يكون “فضيحة” من وجهة نظر الجميع! هذا بالإضافة إلى أن خطاب ترامب، قد مكنه، قبل أيام، من نيل تأييد جماعة “كو كلاكس كلان” (KKK)، المؤمنة بتفوق العرق الأبيض، والتي اشتهرت بما ارتكبته من جرائم بحق الأميركيين الأفارقة، عقب إلغاء العبودية في الولايات المتحدة -وفي مفارقة أخرى- على يد الرئيس الجمهوري أبراهام لينكولن.
طبعاً، لا تقتصر “معضلة ترامب” على إمكانية فوزه، لاسيما في حال إحجام الديمقراطيين والأميركيين الأفارقة ومن أصول لاتينية، عن الاقتراع لعدم قناعتهم بهيلاري كلينتون. إذ حتى في حال خسارته، ستبقى كتلة ترامب التصويتية، والتي لا يبدو أنها تقلصت رغم كل فضائحه الضريبية والنسائية، ناهيك عن انعدام الخبرة. وهنا تبدو المعضلة الأكبر التي تواجه الحزب الجمهوري ككل، والمتمثلة في الاختيار بين اتخاذ “ظاهرة ترامب” جرس إنذار لمراجعة خطاب الحزب وسياساته، أو فك الارتباط مع إرث لينكولن للأبد، والسير في التيار العالمي السائد حالياً، والقائم على الاستقطاب الاجتماعي والسياسي بأشد صوره.
لكن التركيبة الديمغرافية الأميركية، ضمن أمور أخرى، تجعل من الممكن القول إن الأخذ بالخيار الثاني قد يجعل ترامب، في أحسن الأحوال، آخر رئيس للولايات المتحدة الأميركية عن الحزب الجمهوري.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock