رأي في حياتنا

آخر ما كتبه الشهيد

بينما تتأرجح سبابته صعودا ونزولا، وكفه تغلق بخفة آخر أبواب الحياة، تتراكض سبابات أخرى بالعشرات إلى حسابه الشخصي، على مواقع التواصل الاجتماعي، لتتأكد بنفسها أنه هو الممدد بدمه الدافئ قريبا من هنا، وتبدأ في رحلة البحث عنه.
لا أعرف ما الحكمة من معرفة الأشياء من بعد نهاياتها، وهي التي كانت بين الأيادي متاحة بالروح والصورة والحس النابض. فالماسوشية الممارسة على صفحات “فيسبوك” مثلا، تدلل على أمر يصعب تكهن دوافعه النفسية أو نتائجه المترتبة على إعادة نشر آخر ما تم عرضه، ونقله وكتابته، على صفحة الميت، وبخاصة إن كان شهيدا كما حصل قبل أيام مع شهداء الأقصى.
كم صعبا أن تنظر إلى إنسان ميت، عبر شاشة شفافة تكاد تنطق بصوته، ما لم تكترث له كثيرا، ومرارا قبل موته. إنه يحدثك أنت، دونا عن باقي الناس، هكذا تعتقد! إنه يكتب رسالته الأخيرة وهو يدرك تماما أنها ستصلك متأخرة عن آخر زفراته بدقيقة، ممعنا في إحراجك أمام كسلك ولا اكتراثك المتوارث، صفحة عن صفحة، جدارا عن جدار، رسالة عن رسالة.
في حالة شهداء المسجد الأقصى مثلا، الذين قضوا دفاعا عن حق الفلسطينيين بدخول باحة المسجد والتصدي لاستفزازات وعدوانية المستوطنين الصهاينة، طفت على السطح بلاغة جمل قصيرة سريعة منفعلة، كتبها شباب غاضب من الوضع الذي آلت إليه القدس الشريف، سواء بسبب السكوت العربي والعالمي تجاه الإجراءات غير المسبوقة على الأرض، أو بسبب تخاذل مسؤولين فلسطينيين أمام عنجهية الخطاب الصهيوني. هذه الجمل استمدت بلاغتها الحقيقية، من الصورة التي تبعت الكلام. البلاغة في ترجمة الأقوال إلى أفعال أوقع في اللغة البشرية، من بلاغة الاستعارات المكنية بألف مرة!
ورغم ذلك، فإن الأداء العادي لسكان كوكب “فيسبوك”، هو ذاته منذ سنوات مضت؛ يمضون قدما ويمرون سريعا أمام هذه الرسائل الواضحة، ربما هازئين أو متأففين كثيرا، متعاطفين مشدودين قليلا، كل حسب قربه أو بعده.
لكن وحتى قبل أن تكتمل دائرة موتهم، تنتشر هذه الرسائل والمنشورات مثل الامتحانات المسربة، على صفحات “الشباب” كأيقونات لدليلك ومختصرك إلى الحياة. يتحسسون ملامحهم المتبقية على الشاشات، أيام كانوا شبابا عاديين؛ بستراتهم الشتوية الأنيقة وعضلات أكتافهم البارزة، وابتساماتهم اللطيفة. ينبشون في تواريخ قديمة ليتأكدوا بأنفسهم أنهم كانوا يشبهونهم جدا في تعليقاتهم الساخرة على أداء الدولة، وصور السهر على أساطيح البيوت، والمنشورات المنقولة خجلا لعيد الأم، وحبهم الكبير لمحمد عساف!
ثم يأتي دور تحليل النص والصور، حسب طبيعة استشهاد كل واحد فيهم، وكأنه كان ينبئ أو يعلن “هكذا ببساطة” أنه ميت غدا! كل ذلك حتى نصنع الاستثناء لمن لا يعرف أنه استثناء. كل ذلك لنبرد على حرارة الحياء من العيش في لحظة ارتقاء الروح. كل ذلك حتى نندب حظوظنا التي لم تسعف شجاعتنا بالشكل الملائم، حتى نكون جزءا من مشهد المرابطة، ولو بأضعف الإيمان.
آخر ما كتبه الشهيد، ليس الفخ الذي وقعنا فيه ونحن نفتش عنه بين الجمل المنشورة سابقا. لأن هناك ما لم نشاهده بعد، ما يزال الشهيد منهمكا في كتابته وهو هناك، ممدد في باحة الأقصى أو على الطرق المؤدية إليها، لنحاول فك خطه على الأقل، كي نفهم!

‫3 تعليقات

  1. عندما تكون الكتابة ثلاثية الأبعاد
    استفقدت مقالك الأسبوع الماضي. لذلك، أستاذة حنان، أمر عليك اليوم لا لأعلق على هذا المقال فقط ولكن على كل ما قرأته لك في الغد، فأقول أنك برأيي أهم كاتب صحيفة في الأردن، فأنت المفضلة لدي هنا. فعيناك تلتقط الصورة بجودة عالية، تمسك بثواني الزمن، وتتحسس مليمترات المكان، وتنصت لشهيق وزفير الناس. وتوضحين ألوان الصورة الملتقطة بنبض قلبك وكهرباء جهازك العصبي وضوء عقلك.
    بزوايا عدستك وألوان ريشتك تصعد الحكاية بتروي إلى سطرها الأخير، وعنده يتمهل القارئ قبل مغادرته عربة الحكاية.
    خبيز مقالاتك تفوح منه حضارة وحرية وإنسانية، وكأنك قادمة من مكان لم يعتاد القيود، مكان حر. في مقالاتك نسمع بوضوح ذلك الصامت المخبأ بين سطورك، تأخذينا إلى حافة الحدود فنرى بخيالنا ما بعد الحدود، ونرى ذلك المختفي في العتمة. أنت حدث مبدع يزورنا كل أسبوع، وأبدأ يومي كل ثلاثاء بمقالك. ما أجملك.

  2. لو تعلمين ماذا فعلت !
    هذا النهار يا بسمة لا يشبه كل نهاراتي . صحوت على رغبة جارفة بعدم الاستيقاظ ، بسبب مرور الذكرى الاولى لوفاة أبي . كلماتك التي أشرقت على نافذة هاتفي الجوال أسعدتني .. جدا اسعدتني . و كأنها كتبت خصيصا بأناملك و لكن بدافع لا تملكين له سببا ، أنا أعرفه ! دائما تعلقين على مقالتي و مقالات الأساتذة الكتاب في الغد . و دائما أسرح في طريقتك و ثقافتك و اطلاعك و أعجب بك أكثر … هل جاء رأيي اليوم متأخرا و بسبب نزعة شخصية بحته ؟ ربما ! لكن على الاقل جاء في وقت كنت بحاجة حقيقية لأتبادل فيها الحديث مع شخص يشبهك . شكرا
    حنان كامل الشيخ

  3. فلسطين ام الشهداء
    ستبقى فلسطين رمز وشعله للحريه والاحرار وهي التي قدمت الشهداء قرابين لمجد الامه العربيه كل الشكر للكاتبه المتالقه حنان الشيخ على ما خطت يداها وشكرا

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock