أفكار ومواقف

آفاق مغلقة.. اليأس حدَّ الهجرة..! (2-1)

ينبغي –في الوضع المثالي- أن تكون الأرقام المرتفعة للراغبين في الهجرة من بعض البلدان العربية مقلقة جدا للمسؤولين في هذه المنطقة. إنك سترغب في الهجرة من مكان إذا كان طاردا مقفرا، لا يوفر لك حدا معقولا من الحاجات الدنيا والعليا. وسوف يغادر الناسُ مشروعا خاسرا، لا يعرضُ حاضرا مُرضيا ولا أفقا واعِدا. واتجاهات الهجرة استفتاء على أداء الحكومات ونجاحها أو فشلها في جعل الأوطان أمكنة مرحِّبة.
ربما يجب التمييز بين الهجرة، بمعنى الرغبة في مغادرة الوطن للاستقرار النهائي في بلد آخر والحصول على جنسيته وقطع الصلات ببلد الأصل، وبين الرغبة في الذهاب إلى بلد آخر للعمل، مع الاحتفاظ بالصلة القانونية والعاطفية بالوطن. ومن أمثلة الهجرة، بالمعنى الأول، رحلة الأوروبيين في اتجاه واحد إلى أميركا بسبب الفاقة والاضطهاد الديني، والذين أصبحوا اليوم الشعب الأميركي. أما “المهاجرون” من النوع الثاني فمنهم مواطنونا الذين يعملون في الخارج ونسميهم “المغتربين”.
تقول أرقام استطلاع “الباروميتر العربي” الصادرة حديثا أن 45 % من الأردنيين يرغبون في الهجرة. وقد سجل هذا الاتجاه أكبر زيادة في المنطقة، صعودا من ربع الأردنيين في العام 2013 إلى نصفهم تقريبا في العام 2019. وسواء كان هؤلاء يرغبون في الهجرة نهائياً، أو “الاغتراب” بقصد العمل، فإن الفرق ليس كبيرا من حيث أنهم لا يجدون جميعا في الوطن ذلك القدر من الاستقرار الذي يجعل المغادرة خيارا ثانويا.
ما الذي يدفع الأردنيين إلى هذا الموقف، حتى لو أنه لا يتحقق؟ سوف يجيب كل منا عن السؤال بسرد أسبابه الخاصة، المتقاطعة غالبا. ولسنا في حاجة إلى استطلاعات وبيانات لكي نشخص النفسية الاجتماعية ونحن الذين نختبر ما يجري في بلدنا. وأتصوّر أن الانطباع العام هو أن الحكومات المتعاقبة في العقود الأخيرة فشلت في عرض مشروع وطني مقنع وواقعي لتحسين حياة المواطنين وخلق شعور لديهم بأنهم شركاء في هذا المشروع وفي عوائده –على أساس أن له نتائج معلومة يُسندها مخطط علمي واضح المعالم.
كما نعرف، تزداد الأعباء والضغوط الاقتصادية بلا كلل على كاهل المواطن الأردني، ولا تكشف عن نية للتراجع. وتتردى البنى التحتية والخدمات عموماً وتتعثر الكثير من المشاريع ولا تعرض الحيوية والإشراق والتغير الملموس التي ينبغي أن تصاحب البناء. ويعاني التطوير السياسي من ركود على الأقل، حيث لم تنجح التعبيرات الديمقراطية في إقناع المواطن بأنه يصبح شريكاً في القرار السياسي، أو أنه يمتلك آليات لمحاسبة التنفيذيين، أو أنه محمي بحكم القانون ولا تمكن مصادرة فرصته وحصته بالواسطات والمحسوبيات والفساد. وهو يتحمل باطراد كُلفا ينبغي أن تكون في حصة الدولة، مثل تكاليف التعليم المدرسي والجامعي والصحة والخدمات الأساسية. والشعور هو أنه يكافح وحده بلا عَون، ويدفع كثيرا لقاء عائد خاسر وغير عادل. ومع ركود الأجور وارتفاع البطالة، ترتفع الأسعار والضرائب والأعباء فقط، من دون وجود ما يبشِّر بتغيير الوجهة في المستقبل المنظور.
لا يُمكن، بالطبع، تجاهل الظروف والشروط الخارجية التي تحيط بالبلد، لكن أي تفاصيل تبهَت أمام الاستنتاج السيئ الذي يصل إليه الكثير من الأردنيين: “لم أعد أستطيع أن أتحمّل كل هذه الأعباء وضاقت عليّ الأرض بما رحُبت. أريد أن أخرج وأغامر، علني أجدُ الفرصة لأولادي على الأقل، إن لم يكن لنفسي”.
لهذا الشعور اسم، أتصور أنه “اليأس”. إنهم يعِدونك بالتحسُّن مراراً، فقط ليقصدوا جيبَك مرة أخرى بحيث لم تعد ثمة ثقة بوعد. ولن ينتج هذا الواقع مجرد اتجاه إلى “الاغتراب” للعمل وتجميع مبلغ قد ينفع للعودة إلى الوطن وإنشاء مشروع كما كان الوضع في السابق. فقد أصبح إنشاء المشاريع مغامرة محفوفة بالمخاطر. وبذلك، قد يتحدث البعض عن “الهجرة”، بمعنى عدم النظر إلى الوراء. وليس هذا نتاجاً لضعف في الانتماء، وإنما نتيجة لشعور بأنها لم تعد لك حصة ولا فرصة في بلدك –اقتصادية أو سياسية- بحيث أصبحت مغرَّباً فيه أساساً والأمور سيّان.
هكذا هي الأمور غالباً، بلا مواربة. الأم هي التي تربي وتطعِم وتواسي وليس التي تلِد. والوطن هو الاستقرار والدفء والاطمئنان والرزق، بعيداً عن الشِّعر والخطاب العاطفي. وتوفير ذلك وظيفة الحكومات –أي أناس ذوي قرارات واعية. والأوطان ليست أماكن فحسب، وإنما حياة كاملة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock