ثقافة

أبحاث تناقش أزمة اللغة العربية في مؤتمر تنظمه جامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا

 


مدني قصري


عمان- تحت رعاية سمو الأمير الحسن بن طلال، افتتح يوم أمس في جامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا، المؤتمر الثقافي الثالث، لمناقشة أزمة اللغة العربية في المجتمع العربي. وأدار الجلسة بعد الافتتاح الأستاذ الدكتور محمد القضاة، والأستاذ الدكتور نور الدين صدار.


وتناولت أوراق المؤتمر واقع اللغة العربية، وما تعانيه من أزمة، وأهمية التعليم الجامعي باللغة العربية.


وعكست كلمة سمو الأمير الحسن في ختام الجلسة الثانية، قناعاته بأن لا قيمة لأي لغة من دون ارتباطها بالمضامين الحياتية الكثيرة. وقال سمو الأمير في مستهل كلمته: “أتيت لأتحدث عن المضامين”. وفي تحليله لتطور اللغة العربية تاريخيا، ومن خلال مقارنات إيثيمولوجية (اشتقاقية) عديدة، مع لغات حية أخرى، كالفرنسية والإنجليزية، أكد الأمير الحسن أن الحضارة العربية معطاء، إن أرادت، شريطة أن تحمل مضامين. وفي هذا الصدد تساءل “هل لنا أن نأتي بصيغ جديدة، ونبدع أوزاناً مستحثة؟ وكيف تصاغ هذه الأوزان؟ هل لنا أن نحيي صيغاً حكم السابقون عليها بجمودها وموتها؟ لأن في إثراء المضامين يكمن تطور اللغة وازدهارها”. بعد ذلك انتقل الحسن إلى وضع اللغة العربية الحالي ليتساءل إن كانت الأزمة تكمن في المجتمع العربي، أم في اللغة ذاتها؟ مؤكداً أنه إذا كانت هناك أزمة في اللغة فهي انعكاس للمجتمع الذي يتداولها. لأن اللغة، في رأيه، ليست وعاء للفكر بل هي الفكر نفسه، وهي أي اللغة “المظهر الحضاري لأي مشروع حضاري”. وفي الأخير عرض الأمير الحسن جملة من المقترحات، مناشدا المعنيين، بتبنيها في توصيات هذا المؤتمر، ومنها الاستمرار في وضع معالم واضحة للعربية الحديثة، من خلال تحديث الأصالة وتأصيل الحداثة، وتفعيل دور العربية عالمياً، وإيجاد صيغة عمل معلوماتي عربي فوق قطري، واعتماد مبدأ القياس في تعليم اللغة العربية، والتعامل مع العربية برؤية تكاملية، والعمل على إظهار الوجه المضيء للغة العربية، ونشر أمهات الكتب العربية، وتشجيع ترجمتها إلى اللغات العالمية. تلك هي الاستراتيجية الحكيمة لترقية اللغة العربية وإخراجها من أزمتها: “وهذه، يقول الأمير، هي الكونية التي أتحدث عنها”. وشدد الأمير على دراسة الجدل القائم ومسبباته، حول العربية الفصحى واللهجات العامية. “لأن اللغة العربية، يقول الأمير الحسن، هي شريان حياء واستحياء، فأين مجالس الأدب؟ وأين تكريم رموز اللغة العربية؟ إننا نتحدث عن جمود الفكر العربي، ونسهم في هذا الجمود!”.   


وتناول رئيس الجامعة د. هشام غصيب في مستهل المؤتمر، علاقة التقانة بالمشروع الثقافي، قائلا في هذا السياق “بل إنها ميتافيزيقا، كما عبّر عنها الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر. كذلك فهي محور من محاور ثقافة الحقبة الحديثة، أو ما يطلق عليه اسم الحداثة”. وأمر اللغة العربية، بحسب غصيب، ملح لجميع من ينتمون إلى أمة العرب، كائناً ما كان مجالهم أو تخصصهم، أو عملهم. ورأى أن أزمة العربية هي في الواقع “أزمة أمة العرب برمتها، أزمة أمة فقدت بوصلتها التاريخية وصلتها بالواقع تاريخا وطبيعة وعقلا.


موضوع “دور اللغة العربية في التنمية من منظور التخطيط اللغوي” كان عنوان الورقة التي قدّمها د. فواز محمد عبد الحق، وفيها أكد أن أزمة اللغة العربية نتجت عن أزمة الأمة، “الأمة العربية مأزومة”. وفي هذا السياق تناول المتحدث المتخصص في التخطيط اللغوي، جملة من الحقائق المتعلقة بكفاءة اللغة العربية وقدرتها على التأثير، موردا بعض التجارب التي أجراها اختصاصيون أميركيون على أشخاص لا يتقنون اللغة العربية. وأظهرت تأثير اللغة العربية السحري على من يستمع ويصغي إليها.


وأكد المتحدث في معرض تحليله حاجة الأمة إلى تنمية اللغة العربية وترقيتها، “إننا في الأردن، وفي البلدان العربية بوجه عام، في حاجة إلى تنمية لغوية أكثر من حاجتنا إلى تنمية سياسية أو اقتصادية”. وناشد المعنيين، في النهاية، بسن قانون لحماية اللغة العربية وتفعيله، “إن العربية، كما قال، تحرك فينا الكثير: القوة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية الخ”. 


وتناولت زينب نصار، في ورقتها إشكاليات اللغة العربية، وسبل تطويرها وترقيتها ونشرها في عالمنا العربي، ودار تحليلها المفصل حول أهمية اللغة في بناء الفكر الإنساني، مؤكدة في هذا السياق “أن اللغة ليست مجرد أداة لنقل الأفكار، بل هي التجسيد المادي للأفكار”.


د. محمد ماجد الدخيل، تناول في ورقته “لغة الضاد بين السلف والخلف”، أسرار تسمية اللغة العربية بلغة الضاد، قائلا إن الدراسات العديدة التي تناولت هذا الموضوع قديما وحديثا، تؤكد أن سر هذه التسمية يعود لغرابة صوت الضاد. وقد دار حديثه حول المحور المهم الذي تناوله بكثير من الدقة والعمق.


وتناول د. عبد الكريم مرداوي، الواقع اللغوي العربي بين الازدواجية والثنائية اللغوية ليؤكد في هذه الورقة، أن العربية الفصحى تعيش محنة حقيقية، بما تلاقيه من خصميها اللدودين، العامية واللغات الأجنبية التي تزاحمها في عقر دارها، ليتلمس بعد ذلك أخطار الزحف الذي يهدد العربية، ثقافياً وعلمياً واجتماعياً. وقد وضح أن من هذه الأخطار تشكّل واقع لغوي جديد يقوم على مزج العربية الفصحى بالعامية ويتفاعل مع اللغات الأجنبية. “إذا كان تحدي العامية للفصحى سيظل قائماً لا يتعارض بحدة مع التمسك بالهوية، ولا يقف حائلا دون الانتماء، فإن تحدي اللغات الأجنبية تحدّ شرس، مؤثر وجذاب، بما يلبسه من ثوب المنفعة وبتماهيه بالمعاصرة”.


في الجلسة الثانية، تناول د. وليد العناني، في بحثه “العربية لغة المعرفة”، علاقة بناء المجتمع باللغة الوطنية، إذ يرى في هذا الطرح مسلّمة ثابتة، حيث يقول “لا يمكن بناء مجتمع معرفة بغير اللغة المحلية (الوطنية)، وتأسيساً عليه، فإن اللغة العربية تحتل مكانة مرموقة في بناء مجتمع معرفة عربي يتلقى المعرفة بالعربية، ويعيد إنتاجها بالعربية، إلى أن تصير هي وسيلة التواصل المعرفي ونشوء العلم في بلاد العرب والمسلمين”.


“اللغة القومية وتوطين المعرفة” كان عنوان الورقة التي قدّمها د. حسين محمد البطاينة، حول مسألة اهتمام علماء النفس وعلماء الاجتماع والأنتروبولوجيا، باللغة، مؤكدا أن لأي لغة أربع وظائف أساسية، هي الفكر، والاتصال، والتسجيل، والتعبير.


وفي ورقته “اللغة العربية ومجتمع المعرفة”، تعرض د. محمد فؤاد الحوامدة، لأهمية الانتقال من ثقافة الاستقبال إلى ثقافة الإنتاج المعرفي، وتوظيف اللغة بكفاءة عالية من أجل تحقيق التنمية الإنسانية الشاملة.  


وأخيراً رصدت د. حنان إسماعيل، في ورقتها الازدواجية والخطأ اللغوي”، فعرّفت الازدواجية بالقول “إنها ظاهرة تستوطن اللغة، وتحاول أن تبرز في فعالياتها المختلفة، في النصوص المكتوبة، وفي الحوار الشفوي، في الخطابات التثقيفية، والتعليمية على تباينها”. وقد رصدت المتحدثة في دراستها، بعض الأنماط اللغوية التي بدت فيها ظلال الازدواجية واضحة، وحاولت تحليلها في ضوء النظر اللساني الاجتماعي، سعيا منها الى تصحيح الخطأ اللغوي، ومن ثم الحكم بتجنبه إن كان حقاً من الأمور التي لا وجه لها في منظومة الائتلاف اللغوي الفصيح.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock