آخر الأخبار حياتناحياتنا

أبناء وأحفاد يبتكرون طرقا “تبهج” كبار السن وتعوض غياب “لمة” رمضان

منى أبوحمور

عمان- يفتقد الكثير من الآباء انضمام الأبناء والأحفاد لمائدة إفطار رمضان، كما كان الحال في السنوات السابقة، جاء ذلك مع ساعات الحظر الذي يقيد ويحد من التجمعات ما بعد الساعة السابعة.
جائحة كورونا ما تزال تلقي بظلالها على شهر رمضان للعام الثاني على التوالي؛ ما زاد من قلق الأبناء على الأهل، خصوصا ممن يعانون أمراضا مزمنة، وبحاجة إلى رعاية وقرب دائم منهم.
غير أن الإجراءات الاحترازية للحد من انتشار كورونا لم تمنع عددا من الأسر من أن تبتكر طرقا مختلفة للبقاء إلى جانب كبار السن من العائلة ومشاركتهم طعام الإفطار ضمن أساليب تضمن سلامتهم.
وذلك ما حصل مع عائلة أحمد الذي اتفق مع أشقائه الخمسة على التناوب في إعداد وجبة الإفطار في كل يوم وإرسالها لوالديهم ومتابعة وضعهم الصحي بعد الإفطار والتأكد من تناولهم الأدوية والعلاجات.
أحمد الابن الأكبر يقول إن والديه رفضا المجيء لبيته أو بيوت اخوته، فهما يرفضان فكرة مغادرة المنزل الكبير، وبسبب اجراءات الحظر كان لا بد من إيجاد طريقة لمشاركة الأهل.
وجاءت فكرة تقسيم الأدوار على الإخوة ليتشارك الجميع في الأجر والثواب ويتمكن والدا أحمد من رؤية الأبناء خلال كل أيام الشهر الفضيل.
الأمر ذاته قامت به الأربعينية ليلى هي وأخواتها مع والدتها التي ترفض ان تترك بيتها أيضا خلال شهر رمضان والانتقال لبيت أحد ابنائها وبناتها، لذلك وعبر مجموعة تم انشاؤها على واتساب؛ رتبت النابلسي واشقاؤها جميعا برنامجا رمضانيا يذهب فيه كل يوم شخص من العائلة لتجهيز طعام الإفطار وارساله لوالدتها ومساعدتها في إدارة شؤون المنزل إلى حين انتهاء الشهر الفضيل.
وحول المجموعة التي أطلقت عليها ليلى اسم “فطور الحجة” تبين أن التنسيق يتم حول وجبة الإفطار ومن سيذهب في اليوم حتى لكي لا يتم التضارب بين عائلتين او تكرير “الطبخة”، مع التزام الجميع بكل ما تحبه الوالدة أو الابتعاد عما لا ترغب بتناوله.
الاختصاصي التربوي الدكتور عايش نوايسة يذهب إلى أن الإنسان كلما تقدم بالعمر بحاجة إلى وجود الأبناء والبنات من حوله من أجل الرعاية والاهتمام، وهذا لا يعني الجوانب المادية فقط بقدر ماهي الرعاية والاهتمام والتواصل النفسي.
من جهة أخرى؛ فإن قضية الحظر بحسب النوايسة تسببت بأرق وقلق لدى الكثير من الناس الذين لا يستطيعون التواصل مع آبائهم وأمهاتهم، مقارنة مع الأوقات السابقة التي كان من الممكن أن يشارك الأبناء كل يوم مائدة الافطار مع الأسرة الممتدة والبقاء حتى ساعات المساء والفجر؛ غير أن الحظر جعل ذلك الأمر صعبا.
غياب الحلول في الأفق، يدفع للتفكير بإيجاد وسائل للوجود مع الأهل وفق النوايسة، وذلك من خلال التنسيق بين الأشقاء لقضاء الأيام مع الوالدين والبقاء فترة الحظر معهما والاهتمام بهما ومشاركتهما مائدة الطعام وهو أمر في غاية الأهمية، لافتا إلى أن ترك الوالدين بمفردهما ينعكس سلبا على نفسيتيهما.
ويضيف “لا تمنعنا ظروف الحظر من الوجود مع الوالدين ويمكن المبيت عندهما في البيت”، والتناوب أيضا في ذلك يسمح بتواجد الابناء طوال الشهر مع آبائهم وأمهاتهم، لافتا إلى أن انعكاسات التواجد مع الوالدين في رمضان كبيرة جدا وينمي شعور الحب والمودة.
ويؤكد النوايسة أن “الوالدين ليسا بحاجة للأكل والشرب فقط وتأمين حاجات رمضان وإنما الرعاية الاجتماعية والنفسية والاهتمام وتبادل العاطفة”، وبر الوالدين على أرض الواقع ليس مجرد كلمات بقدر ما هو أفعال، ورمضان شهر التجمع والخير وتوثيق أواصر المحبة بين أفراد العائلة.
ووفق أخصائي علم الاجتماع الأسري مفيد سرحان، فإن أكثر الفئات سرورا بالشهر الكريم، هم كبار السن الذين يجدون فرحتهم كل عام بأن بلغهم الله تعالى صيام رمضان وهي نعمة كبيرة يشكرون الله عليها، ويحملون ذكريات جميلة وعادات تذكرهم بمرحلة الشباب والعطاء، ويستمتعون في ذكر تفاصيلها للابناء والاحفاد، ولا يملون من تكرارها، فتشكل جزءا من تاريخ الأسرة ونافذة على تجارب وخبرات يمكن الاستفادة منها.
ويلفت سرحان إلى أن استمرار انتشار وباء كورونا حرم كبار السن كما الأبناء والاحفاد، وللعام التالي من الفرصة الثمينة للالتقاء المستمر ببعضهم بعضا في أجواء روحانية ثمينة تغلفها لقاءات اجتماعية حميمة.
لذلك، لا بد من البحث عن وسائل لإدامة التواصل مع كبار السن وعدم إشعارهم بالفراغ أو الملل والتقليل من الآثار الاجتماعية والنفسية للجائحة عليهم مع الأخذ بكل أسباب الوقاية التي تمنع نقل الوباء إليهم باعتبارهم من الفئات الاكثر عرضة للإصابة والأكثر تأثرا في حالة انتقال الوباء إليهم- لا قدر الله- وهي جزء من البر بهم وفق سرحان.
ويمكن للابناء التناوب بالإفطار مع الوالدين خلال أيام الأسبوع وأن يشاركهم في ذلك الاحفاد، وهذا يتطلب المبيت عندهم نظرا لبدء حظر التجول بعد صلاة المغرب، وهو ما يعني المواءمة بين زيارة الوالدين والعمل ورعاية الأسرة بحسب سرحان.
وللأحفاد دور كبير في مثل هذه الظروف للإنابة عن الوالدين عند الضرورة بحسب سرحان، خصوصا مع استمرار التعلم عن بعد وعدم الذهاب للمدارس، وهذا يتطلب عدم تكليف كبار السن بإعداد وجبات الطعام بل أن يقوم الاحفاد بإحضارها معهم من بيت الأسرة، وأن تكون جزءا مما أعدته الأسرة للافطار، لأن القيمة المعنوية بالمشاركة الوجدانية والحضور العاطفي وأن الكبار حاضرون في قلوب الابناء.
ويمكن التناوب على زيارة الأبناء لكبار السن في نهاية الاسبوع والمبيت معهم مع أخذ كل الاحتياطات الاحترازية، وإعداد وجبات الإفطار عندهم، حيث إن الكثير من الكبار يفضلون البقاء في منازلهم واستضافة الابناء والاحفاد وهو ما يعني استمرار دورهم الرئيس في الاسرة الممتدة، وأن تكون بيوتهم نابضة بالحياة دائما، خصوصا الأطفال الذين يشيعون أجواء من اللمة والسرور في كل الأوقات وخصوصا في شهر رمضان.
ويلفت سرحان إلى وسائل أخرى مثل التناوب على استضافة الآباء في بيوت الأبناء بما يتناسب مع رغباتهم ويبعدهم عن أجواء الملل والروتين، كذلك استثمار وسائل التواصل وتدريب كبار السن على استخدامها ما يساهم في إدامه الاتصال ونقل التفاصيل اليومية، حتى وان كان بعضهم في مناطق بعيدة او في دولة أخرى.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock