قضايا

أبو الغيط وقمة نواكشوط وفرصة لتنشيط النظام العربي الجديد

د. سعدالدين إبراهيم

تزامن تولي أحمد أبو الغيط مهام عمله الجديد كأمين عام لجامعة الدول العربية، مع انعقاد القمة العربية في العاصمة الموريتانية، نواكشوط.
وأحمد أبو الغيط دبلوماسي حصيف، كان أداؤه كوزير لخارجية مصر مُتميزاً خلال الظروف العصيبة التي كانت تمر بها مصر، والمنطقة، والعالم في فترة ثورات “الربيع العربي”.
وجاء انعقاد القمة العربية في نواكشوط، بعد اعتذار المغرب عن استضافتها، كما كان مُقرراً. وموريتانيا قد لا يعرف معظم القُرّاء عنها الكثير. فهي وجزر القمر، تقعان في أطراف الوطن العربي، وكانت عروبتهما موضع تساؤل، إلى أن حسمت النخبة السياسية فيهما الأمر في سبعينيات القرن الماضي. وتبلغ مساحة موريتانيا مليون كيلومتر مربع، وحجم سُكانها خمسة ملايين نسمة، ويصل متوسط دخل فرد إلى 2000 دولار سنوياً. وأهم مصادر الثروة فيها هي الفوسفات والأسماك.
ولأنها تقع جنوب المملكة المغربية، وخضعت لاحتلال فرنسي في جزء منها، ولاحتلال أسباني في جزء آخر، فقد اعتبرتها المغرب امتداداً جغرافياً وبشرياً وثقافياً لها، وحاولت، بالتالي، ضمّها إلى أراضيها. إلا أن مُمانعة الجارة الجزائرية، وفرنسا وأسبانيا، حالت دون ذلك. ثم جاء اعتراف الدول العربية بموريتانيا كدولة مستقلة، وقبولها عضواً بالجامعة العربية والأمم المتحدة، ومنظمة الوحدة الأفريقية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ليكرّسا استقلال موريتانيا.
وجاءت مُسارعة موريتانيا إلى استضافة القمة العربية، بعد اعتذار المغرب، كما لو كانت في جزء منها تأكيدا على استقرار الأوضاع الأمنية فيها، وفي جزء من هذه المسارعة أيضاً تكريس لمكانة موريتانيا العربية والأفريقية، وتعبير عن الندّية مع جارتيها الأكبر المغرب والجزائر.
ومع هذه القمة العربية، يكون قد مضى على ثورات “الربيع العربي” ست سنوات، تغيّرت فيها أنظمة الحُكم في أربعة أقطار عربية (تونس، ومصر، وليبيا، واليمن)، وتغيرت جزئياً في سواها. أما موريتانيا نفسها، التي تستضيف القمة، فقد شهدت ثلاثة انقلابات عسكرية في العقد السابق لثورات “الربيع العربي”، واستقرت الأوضاع فيها نسبياً مع انتخاب محمد ولد عبدالعزيز رئيساً للبلاد، العام 2008.
وقد شهدت خريطة الوطن العربي تغيرين رئيسين؛ أحدهما في العراق والثاني في السودان. فقد أعلنت الأقاليم الشمالية للعراق، ذات الأغلبية الكردية استقلالها الذاتي، وانتخبت رئيساً للإقليم هو المُلا مسعود البرزاني. كذلك أعلن إقليم جنوب السودان انفصاله عن الشمال ودولته المستقلة، التي يرأسها حالياً الزعيم الجنوبي من قبيلة الدنكا، سلفا كير. وليس هناك ما يدل على أن أياً من الدولتين الكردية والسودانية الجنوبية حريصة على البقاء ضمن الحظيرة العربية، على الأقل في الوقت الحاضر.
وعودة إلى أحمد أبو الغيط، والقمة العربية في نواكشوط، فإن هذه الأخيرة اتخذت، كما هو متوقع، قرارات لتأكيد وحدة الصف العربي، وإدانة المُمارسات الاستيطانية الإسرائيلية، وتأكيد مواقفها السابقة الداعمة للقضية الفلسطينية.
ويمكن للأمين العام الجديد أن يكتفي بممارسة دوره كموظف مدني دولي، بكل ما ينطوي عليه المنصب من أُبّهة بروتوكولية، وراتب وبدلات مُجزية بالعُملة الصعبة. أما البديل الآخر، والذي نتمنى أن يتبناه أبو الغيط، فهو الأمين العام النشط (An Active Secretary General)، كما كان أول أمين عام للمنظمة، وهو المرحوم عبدالرحمن عزّام، وكما حاول عمرو موسى. وعلى المستوى الدولي، كان من النماذج النشطة للأمناء العامين للأمم المتحدة، كل من داغ همرشولد وكوفي أنان، مثلا.
طبعاً، هناك مهام بيروقراطية لا بد أن يقوم بها كل أمين عام، لحُسن سير أجهزة الأمانة العامة، والوكالات المُتخصصة للجامعة، وتستغرق هذه ما بين نصف وثلثي وقت وجُهد الأمين العام.
أما إذا أراد الرجل أن يترك بصمة تذكرها له الأجيال العربية التي ما تزال تحلم بوطن عربي أكبر وفعّال، فإن على أحمد أبو الغيط أن يُفكر ويعمل خارج الصندوق (Out of the Box). وهو ما يتطلب في الحد الأدنى استدعاء وتنشيط منظمات المجتمع المدني العربي، مثل اتحاد الكُتاب العرب، واتحاد السينمائيين العرب، واتحاد المحامين العرب، واتحاد الاقتصاديين العرب، واتحاد الاجتماعيين العرب، ومركز دراسات الوحدة العربية. لقد أصبحت بيروت ودُبيّ وأبوظبي عواصم أو ساحات لنشاط تلك المنظمات والمهرجانات والاحتفاليات، والتي يتم تغطية أخبارها عادة للرأي العام العربي بأكثر عشرات المرات من أخبار الجامعة العربية!
طبعاً، ليس أحمد أبو الغيط هو المسؤول عن الصورة الباهتة للجامعة العربية. فالمسؤولية الأولى عن ذلك تقع على كاهل الحكومات العربية نفسها. فتلك الحكومات هي التي تُقيّد عادة من انطلاقة أي أمين عام لأي منظمة إقليمية عربية.
لكن هناك، بالقطع، هامش كبير يستطيع خلاله أي أمين عام نشط أن ينفخ في صورة هذا التنظيم الإقليمي الأقدم دولياً من الأمم المتحدة نفسها، ومن الاتحاد الأفريقي، ومن منظمة المؤتمر الإسلامي، ومن “الآسيان” في شرق أسيا والباسفيكي. إنها مهمة ليست بالبسيطة. ولكننا نأمل في أحمد أبو الغيط أن يكون أهلاً لها. والله الموفق.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock