أفكار ومواقف

“أبو يوسف” يرقد مرتاحا

من منّا لم يطرق باب عيادته في الكرك لاستعادة جواز سفر محجوز لدى المخابرات، أو السؤال عن معتقل سياسي في السجن؟ من منّا لم يطمع بمنحة دراسية في إحدى الدول الاشتراكية “سابقا” عن طريقه، أو التدخل لحل نزاع عشائري؟ وقبل هذا وذاك، للعلاج المجاني في معظم الأحيان. “شوفو عيسى”؛ عبارة طالما ترددت على ألسنة أصحاب الحاجة وذوي الناشطين، من يساريين وقوميين. لقد كان ملاذهم الوحيد في زمن الأحكام العرفية وانعدام الحريات.
المئات، بل الآلاف من أبناء الكرك، كانوا على موعد مع الطبيب والسياسي والوجيه عيسى القسوس “أبو يوسف”؛ قاعة العيادة الضيقة والمتواضعة ضمت في جنباتها كل هؤلاء على مدى عقود طويلة مضت.
كانت مسرحا لقصص إنسانية، بطلها طبيب تقدمي تفانى في خدمة الفقراء والطيبين. كان لأبناء الأغوار الجنوبية صدر العيادة؛ يأتون إليه بالجملة، ويقيمون في العيادة وكأنهم أصحابها.
والعيادة الصغيرة التي لا تبعد بضعة أمتار عن المقر القديم لمخابرات الكرك، كانت ملاذا آمنا لاجتماعات الشيوعيين وممثلي الأحزاب. شهدت أحرّ النقاشات، والاختلافات، والصفقات؛ فأبو يوسف رجل التسويات والتكتيكات في الانتخابات النيابية والنقابية والبلدية. وفي الأخيرة، كان مهندس الانقلاب الكبير في الكرك أواسط الثمانينيات.
ترك “أبو يوسف” الحزب الشيوعي الأردني بعد تجربة “الجفر” المُرّة. لكنه احتفظ بمكانته عند الشيوعيين وعموم التقدميين؛ له حصة في المنح الدراسية، وفي التمثيل السياسي في العمل العام. في المقابل، لم يتردد، بحكم علاقات قوية نسجها مع أصحاب الحكم، في التوسط لبعض قادة الحزب لأخذ الموافقة على سفرة واحدة، تكون في العادة إلى الاتحاد السوفييتي “سابقا”، للعلاج أو النقاهة، بعد إقامة مضنية في السجن.
لم يكن “أبو يوسف” شخصية استعراضية أو خطيبا مفوها، كحال معظم المشتغلين في العمل الحزبي؛ ولا شيخا يشتري الولاء بالولائم، لكنه أكثرهم حضورا بين الناس، وقربا لهمومهم. لا يغيب عن مناسبة، حتى عندما تقدم به السن. كان الحاضر دائما، وإن غاب “يا ويله” من غضب المحبين: “عيسى ماجانا”. قرب الناس منه جعل من علاقته معهم واجبا عليه، وأحياناً لا تُحسب مناسبة إن لم يحضرها “الدكتور”.
عند تشكيل أول مجلس وطني استشاري، وقبل عودة الحياة البرلمانية بسنوات قليلة، كان من بين النخبة التي اختارها الملك الراحل، الحسين بن طلال، لعضوية المجلس. تجربة المجلس، وإن أخذنا التعيين عليها مثلبا، تبقى محطة مهمة في تاريخ الأردن. فبرغم الصلاحيات المحدودة للمجالس الاستشارية، إلا أن أداءها تفوق على المجالس المنتخبة. كان “أبو يوسف” واحدا من الأصوات الجريئة في المجلس الوطني، وتبنى الدفاع عن حقوق الأردنيين في الديمقراطية والحرية.
بيد أن صاحب الحضور والاحترام الواسع “خانته” الجماهير لاحقا في أول امتحان ديمقراطي، فأخفق في الانتخابات النيابية.
لم ينكفئ، ولم يكفر بالناس، فالرجل الذي يملك طاقة عجيبة للعمل والنشاط، صار أكثر التصاقا بالكرك وأهلها؛ يشارك ويحاور، ويناكف إن اقتضى الأمر. في سنواته الأخيرة، ورغم تعبه ومرضه، كان يفاجئني كلما صدف والتقينا، بمتابعته الحثيثة لأدق التفاصيل في المشهد الأردني، وذاكرته المتقدة التي تسجل الملاحظات بذكاء وصفاء.
الدكتور عيسى القسوس؛ صاحب الإرث الطويل، طبيب الناس الطيبين، والمرجع في العمل العام، رحل عن الدنيا قبل يومين. تكفيه هذه السيرة الطويلة والثرية ليرقد مرتاحا.

[email protected]

تعليق واحد

  1. [email protected]
    للعلم لم يترك ابو يوسف الحزب، والى اخر ايامه كان عضو فاعل في الحزب. وللعلم مقر الحزب في الكرك هو بيت الدكتور عيسى الذي تبرع للحزب فيه لاقامة المقر.
    ابو يوسف الى اخر ايامه كان قلق على وضع الحزب ويفكر في مستقبله.

  2. سنديانة الكرك
    وغصت الكرك بسنديانتها…..
    الكرك التي احتضنت جثامين رجالاتها الذين عاشوا فيها، والذين غادروها لعقود وعادوا لتربتها محمولين على الأكتاف، الكرك حاضنة التاريخ والنضالات، كرك الهيّة ونهوض الخمسينيات والمقاومة …
    الكرك، رجالات العشائر، الإدارة، الحكم، والمناضلين الأوائل السابقين واللاحقين، ولابد أن نقع في محظور الانتقائية، المعايطة والحباشنة والمدادحة والضمور والمجالية والهلسة والزريقات والحمايدة وكل من انتسب لتربتها، جلّهم ناموا أبديّتهم فيها إلا "عيسى القسوس" الذي لم يفارقها إلا مرغما للعناية الطبية، الذي لم يغب عن بيت عزاء لكركي، الذي قاد وساهم في كل انتفاضة وحركة شعبية، الذي لم يغلق عيادته يوما والتي كانت منتدى ومركز استشارات سياسية لكل شباب وكهول الكرك…،

    ترى ما فائدة هذا الكلام بعد أن هضمت عمّان الأردنيين أحياء، وهاهي تبتلعهم أمواتا. أمّا الكرك، فقد ضاقت سهولها وتلالها ووهدانها بما رحبت، غصّت بسنديانتها وأحد أهراماتها !
    ملاحظة غير مهمة : "سنديانة الكرك" هكذا وردت في إعلان نعي الدكتور عيسى القسوس في عمان صبيحة هذا اليوم، وبالطبع لم يذكر الإعلان أن الدفن سيكون في مقبرة "سحاب"!!!!!!!!!!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock