ترجمات

أتذكر أزمة أوروبا؟

سيرخي بامييس* – (ليبراسيون) 22/7/2012

 ترجمة: مدني قصري

إني لأذكر الأزمة. أذكر السياسيين الذين كانوا يتظاهرون بأنهم يسيطرون على الوضع عندما يشعرون بالخوف كما يشعر الممثلون الصامتون في أفلام غودزيلا. وأذكر أنني تمنيت أن أكون غودزيلا.
أذكر أنني قلت لنفسي: “الأزمة ليست خطيرة علي بقدر ما هي خطيرة على أطفالي”، وأنا أعلم أنّ ما أقوله لنفسي غير صحيح (إنها خطر عليّ أنا أيضا). وأذكر أني لم أسمع أحدا يريد استخدام كلمة “إنقاذ”، حتى وإن تعلق الأمر بإنقاذ بلد مفلس.
أذكر اليورو الذي كان في خطر، واليونانيين الذين كنا نقول إنهم محتالون أكثر من غيرهم من الأوروبيين. وأذكر أنني فكرت بأن “كريستين لاغارد” هي أفضل اسم لأي نوع من العطور.
أذكر أنني كنت أدفع الضرائب أكثر فأكثر، وأنا أعلم أنها لن تفيد إلا في تسديد ديون البنوك التي كنا نحاول إنقاذها، حتى تستمر في جعلنا أقدر على دفع فوائدها.
أذكر مظاهرات حركة الساخطين، وأذكر أنني لاحظت أنهم كانوا أقل سخطًا من كثير من بقية المواطنين الذين لم يتظاهروا.
أذكر أنني فكرت بأن اسم “ماريو مونتي” يمكن أن يكون أفضل علامة تجارية توضع على ربطات العنق.
أذكر أنني لاحظت أن الأزمة تزامنت مع أفضل سنوات نادي برشلونة، وأن أهداف ميسي هي التي ساعدتنا أكثر على تحمل تلك الفترة.
أذكر عِلاوة المخاطرة: قيل لنا إنها إذا وصلت إلى 400 نقطة، فسوف تتدخل أوروبا. وقد وصلنا إلى 540، بل وإلى 580 ولم يتدخل أحد.
أذكر جروح فرانك ريبيري. وأذكر أنني قد تحدّثتُ بجدية عن الأزمة مع أطفالي، وفي أعقاب الحديث طلبوا مني نقوداً لكي يذهبوا إلى السينما.
أذكر خبراء الاقتصاد والمال الذين انتشروا مثل الطفيليات. وفي المناقشات كان هناك دائما واحدٌ منهم يتباهى وهو يتبجح بأنه يفهم ما يحدث. وأذكر إحدى نتائج الأزمة: أنها حرمت الكثير من الناس من عملهم.
أذكر الذبحة الصدرية التي أصابت رئيس وزراء اليونان، والتي وجدتها منطقية جداً. وأذكر الانتخابات التي فاز فيها فرانسوا هولاند، وفاز ماريانو راخوي، وأذكر جميع الناس الذين تساءلوا يومئذ كم سينعم الرجلان بهذا الفوز؟
أذكر أنني اشتريت خزينة حديدية حتى أخفي فيها أموالي، لأنني كنت لا أثق في البنوك، ولكن بمجرد ما ثبّتُ الخزانة اكتشفت أنه ليس عندي مال أضعه فيها.
أذكر أنني أصبتُ بنوبة سكري. وقد بلغت نسبة السكر في دمي 385 غراما. الجميع كانوا يقولون لي إن الأمر خطير. وحتى يطمئن قلبي، كنت أقول لنفسي إن داء السكري مثل عِلاوة المخاطرة، وأنّ بوسعي أن أقاوم من دون أن يحدث شيء، لا سيما إذا تظاهرتُ بأنني يوناني.
أذكر وفاة والدتي في آذار (مارس) 2012. أذكر والدتي التي أمضت السنوات العشرين الأخيرة من عمرها وهي تقول إننا لا تستطيع الاستمرار على هذه الحال، وبأن كل شيء سينفجر ذات يوم، وبأن المسؤولين عن هذه الكارثة هم الرأسمالية، والجشع، والإعلام الآلي.
أذكر والدتي التي، حرصا منها على أن تظل منسجمة مع أفكارها، لم تمتلك شيئا يوما، لا منزل، ولا رهناً عقارياً، ولا سيارة، ولا مجوهرات، واكتفت بالكتب فقط والأسطوانات، وبقطعة أرض لبناء قبرها.
أذكر السياسيين الأوروبيين الذين كانوا يجتمعون باستمرار من أجل طمأنة الأسواق، فيما لم يكن أحد يعلم من أمر تلك الاجتماعات شيئا، وأذكر أنه كلما اجتمعوا أكثر، ازداد شعورنا بالخطر أكثر فأكثر.
أذكر غوارديولا عندما كان ما يزال مدربا لفريق برشلونة. وأذكر أنني فكرت بأن ماريانو راخوي لم يكن اسما صالحا لأي شيء.
أذكر إريك أبيدال وهو يغادر مستشفى “كلينيك” بعد عملية زرع الكبد.
أذكر حفلات بونغا بونغا لسيلفيو برلسكوني. وأذكر التعاطف الذي كنت أحمله لهذا الرجل، والذي لم أكن أجرؤ على الاعتراف به لأي أحد، لأنني كنت أخجل من تعاطفي معه.
أذكر أنجيلا ميركل التي كان الجميع ينتقدها من دون أن أفهم السبب. فلو وضعتُ نفسي في مكانها لكنتُ فهمتُ بالضبط ما كانت تفعله وتقوله، لكني لم أجرؤ على الاعتراف بذلك لأحد، لأنني كنت أخجل من ذلك.
أذكر أنني ذهبت مع أخي إلى جنازة خالي خواكين في مقبرة “فونتيناي سو بوا”. وقد اشترى أخي حلوى التفاح من مول أوشان، واشتريت أنا قطعتي يوغورت من السوبر ماركت. لكن موظفة الصندوق قالت لي إني لا أستطيع شراء أقل من أربع قطع، وأذكر أنني قلت لنفسي يومئذ إن الأزمة هي هذا بالتحديد: أن تُجبَر على شراء عدد من قطع اليوغورت أنت لست في حاجة إليه.
أذكر ذلك اليوم الذي فازت فيه إسبانيا ببطولة أمم أوروبا لكرة القدم، كان ذلك في اليوم الذي ارتفعت فيها أسعار الكهرباء.
أذكر أنني ذهبت إلى باريس في عز الأزمة لحضور ندوة عن الأدب الكاتالوني في “بيتي بالي” (القصر الصغير) برفقة الكاتب فرانسيس سيريس ومترجمه. وفي وقت لاحق، ذهبنا لنحتسي كأسا من الخمر، ويومها قالت المشرفة على الندوة لسيريس إنه يشبه جورج كلوني.
أذكر أنني سألت نفسي ما هو الأفضل لفرنسا، وهل يشبه فرانسوا هولاند فرانك ريبيري أم فرانسيسك سيريس؟
أذكر أنني فكرت بأن دوراو باروسو هو أفضل اسم يمكن أن تحلم به مؤسسة عالمية للترحيل.
أذكر شخصا كان مشبوها جداً، والذي أراد خلال رحلة إلى مرسيليا، أن يبيعني بندقية كلاشينكوف مقابل 7000 يورو.
وأذكر أنني فكرت: “إلى أين هي ذاهبة فرنسا”، وتذكرتُ أننا كنا نقلد في طفولتنا الخطب الرنانة للجنرال ديغول: “أيتها الفرنسيات، أيها الفرنسيون، يا من غرقتم في الوحل حتى الركب، هيّا دبّروا أموركم بأنفسكم!”.
أذكر أنني سألت نفسي عم الذي سأختاره إن تفاقمت الأزمة: بندقية كلاشينكوف أم 7000 يورو؟
أذكر مجموعة الجدات الروسيات اللواتي شاركن في مسابقة الأغنية الأوروبية، وأنني فكّرت بأن كل الأوروبيين سوف ينتهون بهذه الصورة: لكي يضمنوا البقاء، سوف يغنّون بالأزياء الشعبية في ملهى ليلي. أو يبيعون بنادق الكلاشينكوف. أو يشترون بنادق الكلاشينكوف.
*كاتب إسباني.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Je me souviens (de la crise)

[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock