تحليل إقتصادي

أثر التشريعات في تغيير سلوك المنظمات تجاه إدارة المخاطر(1 – 2)

يزن المجالي*

عمان – تشهد المؤسسات والمنظمات الاقتصادية العديد من التحولات والتغيرات المستمرة والمتسارعة التي يشهدها العالم في مختلف الجوانب، وهذا يؤثر على بيئة الأعمال، وعلى قدرة المؤسسات على تحقيق أهدافها من خلال الفرص والتحديات التي تفرضها، ومن أجل التكيف ومواجهة هذه التحديات تسعى المؤسسات للتجديد المستمر في الأساليب والتقنيات في إدارة الموارد المتاحة وتوظيفها بما يضمن تحقيق أفضل النتائج ضمن مستويات المخاطر المقبولة لدى المؤسسة بدلاً من تجاهلها. وهذا يتطلب تغيير آليات الإدارة التقليدية لتسيير الأعمال وتبني حلول استراتيجية شاملة ومتكاملة باتخاذ القرارات السليمة والمعتمدة على أفضل المعلومات المتاحة من أجل إحداث التغيير والتطوير مبنية على وجود ثقافة إدارة مخاطر ناجعة تنتهجها المؤسسات.
إن السمة المميزة لمفهوم المنظمة التي تميزها عن النظم الاجتماعية الأخرى هي أولوية التوجه نحو تحقيق هدف محدد، وبما أن المنظمات تعمل على تنفيذ رؤيتها ومهمتها فإنها تتعرض للتهديدات والفرص التي يمكن إما تعزيز نموها وإما زوالها، ومما يثير القلق بشكل خاص كيفية تعامل المنظمات مع المخاطر التي تواجهها من خلال التعرف على هذه المخاطر وتقدير حجمها ومعالجتها حيث إنها تساعد على فهم جميع الجوانب المحتملة المحيطة بالمنظمة سواء الإيجابية أو السلبية التي قد تؤثر عليها بهدف تحقيق المزايا المستدامة من كافة أنشطتها وعملياتها.
وتعد إدارة المخاطر الحصيفة إحدى أهم ركائز ممارسات الحوكمة الرشيدة. وفي السنوات الأخيرة كانت هناك أحداث قادت المنظمات والمؤسسات المالية إلى إعادة التفكير حول فعالية ممارسات الحوكمة المتبعة والأنظمة الرقابية وتقييم المخاطر.
ومن أبرز هذه الأحداث فضيحة المحاسبة التي نشأت في شركة إنرون (Enron) التي كانت إحدى كبريات شركات الطاقة الأميركية والتي أعلنت إفلاسها في نهاية العام 2001، وقد أظهر التحقيق أن كبار المديرين التنفيذيين وأعضاء مجلس الإدارة كانوا يقدمون أرقاما مبالغا فيها تزيد عن أرباح الشركة الحقيقية بحوالي مليار دولار، وأكد تقرير للجنة المكلفة بالتحقيق أن كبار مسؤولي شركة إنرون قاموا بعمليات مشاركة وهمية ساعدتهم في إخفاء خسائر وديون إنرون الفعلية وقد أدى إفلاسها وانهيار أسهمها إلى فصل حوالي خمسة آلاف موظف يعملون بها، وفقد أصحاب المعاشات وصغار المساهمين مدخراتهم التي استثمروها في أسهم الشركة. وقد جاء قانون ساربينز أوكسلي (Sarbanes-Oxley SOX) عام 2002 على أثر هذه التداعيات لحماية المستثمرين من احتمال قيام المؤسسات بالأعمال المحاسبية الاحتيالية، واقتضى قانون ساربينز أوكسلي إصلاحات صارمة لتعزيز الإقرارات المالية من المؤسسات ولتجنب الاحتيال المحاسبي بحيث يحمل الرئيس التنفيذي CEO)) ومدير القطاع المالي (CFO) مسؤولية شخصية عن إعلان بيانات مالية خاطئة حسب هذا القانون، وهناك علاقة مباشرة بين قانون ساربينز اوكسلي (SOX) وحوكمة الشركات؛ إذ أوجب القانون بأن تقوم الشركات بالإفصاح عن قواعد السلوك إلى جانب قيامها بتقييم فعالية المراجعة الداخلية ورقابة وإدارة المخاطر.
ومن جانب آخر أدى انهيار بنك “ليمان براذرز” (Lehman Brothers Holdings Inc) الأميركي في العام 2008 إلى اطلاق شرارة الأزمة المالية العالمية والذي كان متورطا في استثمارات مالية تشوبها المخاطر كغيره من المؤسسات المالية في بورصة وول ستريت، والذي كان يعاني من آثار انهيار سوق العقار الأميركي. مما جعل حكومات العالم تخصص تريليونات الدولارات لإنقاذ بنوكها من الانهيار. وبعد عامين من أعقاب ما كشفته الأزمة المالية العالمية التي بدأت في العام 2007 وانهيار مصرف “ليمان براذرز” أعلنت لجنة بازل للرقابة المصرفية عن متطلبات مقررات اتفاقية بازل 3 (Basel 3) العام 2009. والتي تعزز صلابة الأنظمة المصرفية من خلال معالجة العديد من العيوب التي كشفت الأزمة المالية العالمية النقاب عنها حيث تطرح معايير جديدة لرأس المال والمديونية والسيولة لتقوية قدرة القطاع المصرفي في التعامل مع الضغوط الاقتصادية والمالية، وتحسين إدارة المخاطر، وزيادة الشفافية، وستكون مساهمتها كبيرة في الاستقرار المالي والنمو على المدى الطويل.
وأوجبت هذه المقررات على البنوك المركزية إصدار تعليمات تحدد متطلبات رأسمال إضافية مطلوبة من البنوك بنسبة من الأصول المرجحة بالمخاطر زيادة على نسبة كفاية رأس المال المطلوبة من البنوك لتعزيز قدرتها على مواجهة المخاطر. وقد تم تكثيف العمل على المستوى الدولي لوضع أطر لمعالجة العوامل الخارجية السلبية التي تفرضها المؤسسات المالية ذات الأهمية النظامية لحماية للاستقرار المالي ليشمل المؤسسات المالية ذات الأهمية النظامية وليس البنوك فقط.
وفيما يخص قطاع شركات التأمين وكغيرها من المؤسسات المالية، تواجه شركات التأمين كافة أنواع المخاطر المالية والتشغيلية، الأمر الذي يتطلب منها اتخاذ التدابير والاجراءات الوقائية لإدارة تلك المخاطر. ويعد عجز شركات التأمين عن الوفاء بالتزاماتها من أهم المخاطر التي قد تواجهها الأمر الذي قد يؤدي إلى إفلاسها وخروجها من السوق. وقد زاد الاهتمام بموضوع هامش الملاءة المالية في شركات التأمين على المستوى الدولي وخصوصاً بعد الأزمات المالية التي تعرضت لها مختلف الشركات حول العالم، حيث سعت الهيئات الدولية المعنية بقطاع وشركات التأمين إلى وضع مجموعة من القواعد التي تهدف إلى توجيه شركات التأمين ومساعدتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الغير، وهو ما يظهر من خلال المقررات الأوروبية للملاءة أو ما يعرف بمقررات الملاءة 2 (Solvency2).
ومن أجل تحسين الحوكمة وضمان أفضل فعالية في تحديد المخاطر التي قد تتعرض لها شركات التأمين لحماية مصالح أصحاب المصلحة، وضمان قيام مجالس الإدارة ببذل جهودهم لتحقيق الإستراتيجيات التي تحقق قيمة إضافية للشركة في ظل نظام رقابي فعال وكفؤ، قامت العديد من الجهات المنظمة بوضع مبادئ تجسد الحوكمة السليمة لتمثل دليلا لممارسات شركات التأمين ومن الأمثلة على هذه المبادئ: مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول حوكمة الشركات (OECD)، مبادئ الحوكمة الصادرة عن هيئة الرقابة على شركات التأمين والتعاونيات (ACAM). ومن جانب الرقابة على شركات التأمين فقد قرر مجلس الوزراء الأردني بتاريخ 24/2/2016 الموافقة على تولي البنك المركزي الأردني الرقابة على قطاع التأمين وعلى أن يتم نقل الرقابة على قطاع التأمين خلال مدة أقصاها سنتان لتصبح تحت مظلة البنك المركزي الأردني، وكان الهدف تحديث الأطر الرقابية على أعمال التأمين لمواكبة تطورات السوق وذلك من حيث تحسين الملاءة المالية لشركات التأمين ووضع متطلبات تنظيمية لضمان الفصل المناسب بين أعمال التأمين على الحياة وأعمال التأمينات العامة، إضافة الى تعزيز متطلبات الحاكمية المؤسسية لشركات التأمين.
وعلى صعيد القطاع العام والمؤسسات الحكومية فقد أصدرت وزارة تطوير القطاع العام الأردنية في تموز 2015 الدليل الإرشادي لإدارة المخاطر في القطاع العام، ليكون بمثابة مرجعية لدوائر الجهاز الحكومي في مجال إدارة المخاطر ويساعد الدوائر الحكومية في وضع خطط للتعامل مع الظروف والمتغيرات البيئية الداخلية والعوامل الخارجية على حد سواء لضمان توظيف هذه العوامل في تحقيق الأهداف المرسومة لخططها وبرامجها. ويهدف الدليل إلى مأسسة إدارة المخاطر في عمل المؤسسات والدوائر الحكومية وأخذها بعين الاعتبار في إعداد موازناتها، ومساعدة المؤسسات على بناء خططها الاستراتيجية متبوعة بخطة إدارة المخاطر، بالإضافة إلى تعزيز كفاءة وفاعلية الخطط الاستراتيجية ونشر الوعي بأهمية إدارة المخاطر. ولكن الجدير بالذكر أن هذا الدليل الإرشادي هو دليل اختياري وليس إلزامياً على المؤسسات والدوائر الحكومية، وإنما يعكس اهتمام الحكومة بحوكمة عمل القطاع الحكومي وإدارة المخاطر.
* عضو منتدى مخاطر الأعمال

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
44 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock