أفكار ومواقف

أجندة 2020 واستحقاق التحولات

يدخل الأردن العام الجديد، الذي نقف على مشارفه، وسط تواصل ضغط حزمة معقدة ومتداخلة داخليا وخارجيا من التحديات والأخطار، تتقدم فيه بعض التحديات على سلم الأولويات الضاغطة وتتراجع أخرى، لكن يبقى التحدي والخطر الذي يشكله الاحتلال الإسرائيلي متصدرا الأجندة الوطنية، ولا يزاحمه في الصدارة سوى استمرار الأزمة الاقتصادية الضاغطة على عصب الدولة والمجتمع بما تولده من تحديات سياسية واجتماعية وأمنية صعبة ومتشابكة.
على مستوى السياسة الخارجية وارتداداتها الداخلية، يتراجع تحدي الإرهاب والتطرف إلى درجة أدنى في ظل التطورات على الأرض في سورية والتقدم المطرد باستعادة الدولة السورية لسيطرتها وسيادتها على معظم أراضيها إضافة إلى النجاح الكبير بتفكيك تنظيم “داعش” الإرهابي وتدمير دولته المزعومة، حيث يؤدي كل ذلك إلى تخفيف الضغط الكبير على الأردن الذي ساد خلال السنوات القليلة الماضية.
في المقابل؛ يتقدم الخطر الإسرائيلي ويتعمق على رأس التحديات الوطنية، خاصة في ظل تسارع خطوات الاحتلال العدوانية بإغلاق ملفات الحل النهائي الموؤود للقضية الفلسطينية وبدعم وانحياز أعمى من الإدارة الأميركية. ويبدو الأردن وبالتوازي مع الشعب الفلسطيني الأكثر تضررا وتأثرا بالإنقلاب الأميركي على الشرعية الدولية تجاه القضية الفلسطينية ومحاولة تصفيتها بما يصب في صالح ترسيخ الاحتلال الإسرائيلي، وهو انقلاب ترجم على الأرض بالاعتراف غير الشرعي بالقدس عاصمة لكيان الاحتلال وبشرعية المستوطنات ومحاربة الأونروا وقطع المساعدات الفلسطينية والذهاب قدما في دعم فرض السيطرة الإسرائيلية على منطقة الأغوار الغربية.
الأردن الرسمي سيكون مضطرا في العام الجديد للمضي قدما في إعادة تشكيل مقاربته الجديدة للعلاقة مع إسرائيل، وهي مقاربة بدأت عمليا منذ أكثر من عام لكن بخطوات بطيئة ومرتبكة يمكن تفسير ارتباكها وترددها لارتباط هذه العلاقة بالعلاقة الأهم مع الولايات المتحدة وتأثيراتها الكبيرة في معادلات الإقليم. مع ذلك، يبدو الأردن مضطرا للمضي باستكمال المقاربة الجديدة في العلاقة مع اسرائيل لأن وأد حل الدولتين وعدم إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والقابلة للحياة في الضفة الغربية المحتلة وغزة يهدد بآثاره الاستراتيجية استقرار كيان الدولة الأردنية ويسعى لنقل مشكلة الاحتلال الإسرائيلي إلى الحضن الأردني.
لا تبدو الخيارات تجاه العلاقة مع إسرائيل سهلة أمام الأردن خاصة في ظل الوضع العربي المتردي والانحياز الأميركي الأعمى لكيان الاحتلال والاختلال الفاضح بموازين القوة لصالح إسرائيل، لكن الأردن والشعب الفلسطيني أيضا يمتلكان من الأوراق والإمكانات الكثيرة للدفاع عن مصالحهما العليا والتصدي لمحاولات تصفية القضية الفلسطينية والتمسك بالشرعية الدولية واشتراطاتها لأية تسوية سياسية للصراع العربي الإسرائيلي.
يبدو المطلوب على هذا الصعيد من السياسة الرسمية الأردنية مغادرة مربع التردد والارتباك والمضي قدما بإعادة التموضع والمقاربة الجديدة في العلاقة مع إسرائيل ووقف وإلغاء كل مشاريع أوهام السلام المشتركة مع هذا الكيان وعلى رأسها اليوم صفقة استيراد الغاز الفلسطيني المسروق من قبل الاحتلال وإقامة منطقة حرة مشتركة وغيرها من أوهام لا يساهم المضي بها بفرض العزلة على إسرائيل وتحميلها مسؤولية رفض الالتزام بالشرعية الدولية.
أما على الصعيد الداخلي، تحمل أجندة العام الجديد استحقاق الانتخابات النيابية لمجلس النواب التاسع عشر، وهي محطة مهمة نتمنى أن تكون فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار لهذه المؤسسة الدستورية الأساسية واستعادة الثقة الشعبية بالمؤسسة الرسمية، وهو ما لن يتم إلا بالحرص على إجراء الانتخابات بكل نزاهة وشفافية.
إلا أن تحدي الأزمة الاقتصادية الخانقة وارتداداتها الأمنية والسياسية والاجتماعية القاسية سيبقى التحدي المتصدر للأجندة الأردنية في العام الجديد، والذي ما يزال يستنزف من القدرة الوطنية على الصمود والتقدم ويرسخ من حالة اللايقين السائدة. ما يثير بعض التفاؤل هنا هو الانعطافة الأخيرة التي شكلتها حزمات التحفيز الاقتصادي الحكومية والالتزام بعدم فرض ضرائب جديدة في العام المقبل، لكنها خطوات تحتاج لتعزيز أكبر يلحظ ضرورة تغيير النهج الاقتصادي الذي ساد عبر العقود الثلاثة الماضية وأدى لترسخ الأزمة وتعمق شرورها.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock