صحافة عبرية

أحداث جديدة

يعقوب عميدرور-اسرائيل هيوم


قبل نحو عشرين سنة، عندما خرج زعماء اسرائيل إلى مغامرة اوسلو، تحدثوا عن “شرق اوسط جديد” وكانت النبرة متفائلة، غير قليل بتأثير اختفاء الاتحاد السوفييتي والايمان في أنه تحت مظلة اميركية قوية سيكون الشرق الاوسط اكثر انفتاحا على التغيير للاعتراف باسرائيل والعيش بسلام الى جانبها.

ولكنهم اخطأوا خطأ كبيرا. الشرق الاوسط قادته قيادة آيات الله من طهران من جهة والقاعدة من جهة اخرى، استقبالا لمستقبل مغاير، اسلامي، متطرف مغلق في وجه الغرب ومحتقر للعالم الليبرالي. التغيير الكاسح في تركيا هو رمز التغيير في الشرق الاوسط في العقد الاخير. هذا تغيير ينبع من ضعف داخلي للدول الاسلامية العلمانية وتعزز المفاهيم الاسلامية بين الجمهور الغفير في المنطقة. هذه خطوة تاريخية لا تقوم على اساس حدث منعزل ولا يعود مصدرها الى النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي، بل الى تيارات ثقافية عميقة وصلت الان الى النضج وستبقى معنا لسنوات عديدة اخرى.

مع صعود نظام جديد في واشنطن حاول الرئيس حديث العهد تغيير النهج الاميركي تجاه دول المنطقة والاسلام، ولكنه لم يفلح في ذلك. فقد تبين مرة اخرى بان الخطب العصماء لا تغير التاريخ، والتنازلات للمتطرفين لا تجعلهم أقل تطرفا. فضلا عن ذلك، فان المتنازل ينظر اليه كضعيف وسيخسر قدرة التأثير. على هذه الخلفية ينبغي أن نفهم سلسلة الاحداث الاخيرة في الشرق الاوسط.

* * *

في تونس دفعت الانتفاضة الشعبية بالرئيس الذي حكم بيد عليا على مدى الزمن الى الاضطرار الى مغادرة بلاده على عجل. الصراع على الحكم هناك لم ينتهِ بعد. محافل مختلفة تتصارع بينها، في هذه اللحظة من دون نار. وأغلب الظن، في هذه الاثناء لا ينشأ هناك حكم ديمقراطي، على الاقل ليس في الفترة القريبة القادمة. خطوة الاطاحة كانت كامنة. صحيح أن هذه ليست الانتفاضة الاولى للجماهير في دولة عربية، فقد سبقتها مظاهرات جماهيرية بعد اغتيال الحريري في لبنان ادت الى خروج القوات السورية، ولكن هذه هي المرة الاولى التي يطيح الشارع فيها بنظام عربي. قوة الفيس بوك والتويتر وجدت تعبيرها هنا.

“الجزيرة” المحطة التلفزيونية الناطقة بالعربية والسائدة في العالم، تحاول القيام بعمل مشابه لابو مازن، من خلال نشر تفاصيل عن المفاوضات مع اسرائيل في فترة الحكومة السابقة. نزع الشرعية في هذه الحالة لا يستند الى مشاكل اقتصادية وفساد مثلما في تونس، بل الى خلفية ما يبدو لبعض من الفلسطينيين كتنازلات شديدة في المفاوضات مع اسرائيل.

مثير للاهتمام القيام بـ “تخمين فكري” حول امكانية ان تكون الدولة الفلسطينية المستقلة موجودة اليوم في يهودا والسامرة وغزة. يمكن التقدير بقدر كبير من المعقولية في أنها اذا لم تتحول الى حماسية في الانتخابات التي قبل نحو خمس سنوات، فان الموجة الاسلامية الحالية كانت ستجرفها وكنا سنرى اليوم في رام الله احمد هنية، والسلاح الصاروخي يتجمع في قلقيليا وبيت لحم على مسافة 700 متر من كفار سابا و 500 متر من القدس. يجدر بكل من يدفع الاتفاق في اسرائيل الى الامام ان يأخذ ايضا بالحسبان هذه الامكانية.

العالم ليس حصينا ابدا. فلا يوجد احد يعرف كيف يتطور الاحتجاج. امام نجاح الشارع التونسي يقف فشل الشارع في طهران بعد الانتخابات الاخيرة هناك. ما بدا كانفجار جماهيري سيؤدي الى تغيير النظام في ايران اصبح حدثا مصدما للمعارضة التي قمعت بيد قوية.  الفارق يكمن في شكل رد فعل الحكم، قدرته وارادته وتصميمه على استخدام وسائل شديدة لصد الجماهير وثبات قوات الامن امام ضغط الجماهير التي هي جزء من لحمها ودمها. مهما يكن من أمر.

تعاظم قوة الشارع في وجه الدكتاتوريات المعتدلة نسبيا لا يبشر بالضرورة بالنجاح في الانفتاح والمصالحة الليبرالية والديمقراطية. في ايران بدأ الثورة ضد الشاه ائتلاف واسع ضم قوى ليبرالية، ولكن لحركة الاسلامية خرجت منها كحاكم وحيد وشامل، اكثر وحشية من الشاه.

* * *

في شرق البحر المتوسط يجري هذه الايام صراع على صورة لبنان ايضا. حزب الله، الذي يمثل المصلحة الايرانية في اوساط الطائفة الشيعية، الاكبر في لبنان، يسير خطوة اخرى نحو السيطرة على لبنان. مرة اخرى يثبت اغلب الظن بانه في الشرق الاوسط القوة العسكرية هي المقررة في نهاية المطاف لمصير الصراع بين الطوائف والمذاهب الفكرية.

مصير لبنان حسم قبل سنوات، عندما نزع سلاح كل الطوائف وبقي حزب الله وحدة منظمة مسلحة. منذ ذلك الحين، بمساعدة الاستثمارات الايرانية الهائلة، تحول حزب الله الى دولة داخل دولة في لبنان والان هو يسيطر عليها من الداخل ولا توجد أي قوة حقيقية تقف ضده.

العالم العربي، الذي يكاد يكون بأسره سنيا، يتملكه القلق من الخطوة الناجحة للشيعة المتطرفين في لبنان، ولكن ليس في يده قدرة الانقاذ. الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة وفرنسا، وكذا اسرائيل ايضا، يكتشف بان من ليس مستعدا للاستثمار (المال والحياة) سيختفي عن خريطة المؤثرين في دول المنطقة.

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
50 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock