;
أفكار ومواقف

أحلام الغزاوي الصغيرة

سائد كراجة

لم يخلقوا للشهادة والموت والحصار بل خلقوا للحياة، ولا يوجد أي مبرر ليعيش مليونا شخص تحت حصار لعقود، لقد سئموا حتى تضامننا معهم وسئمنا عجزنا ونحن نشاهد موتهم البطيء، وهم آخر النهار لم يخلقوا للموت بل للحياة، هذه الرغبة في الحياة التي كشفها الموت والدمار ليست مبررا لكل هذا الألم والمعاناة اليومية، هذه عائلة تحتفل بزواج ابنها على وقع القصف وعلى أنقاض بيتها المهدم، وهذه عروس تتذكر حبها لخطيبها الذي فقدته قبل شهر من موعد زواجهما، هذه أطفال مع لعبهم يغطيها الموت، تقتل على شاشات التلفاز، نراهم وقد غطتهم دمائهم وغبار بيوتهم المهشمة ونحيب أمهاتهم المكلومات!! هذه غزة مليونا شخص في مساحة 365 كيلو مترا مربعا ، يعني أن يعيش كل خمسة أشخاص في متر مربع واحد هذا قياس الزنازين والحبس الانفرادي، أعتقد أنه أسوأ سجن في العالم، وما تراه من حياة ما هي إلا حلاوة الروح ،هذا ليس طبيعيا ولا إنسانيا قدرتهم على مواجهة هذه الظروف غير الإنسانية لا يجعلها ظروفا طبيعية، إن امتداد السجن واستمرار الحصار بشكل يومي ومتكرر لعقود لا يجب أن يحوله إلى أمر واقع ومقبول من المجتمع العربي، أي إنسانية هذه !

ليس للإنسان الغزي خيار لا في المقاومة ولا في الاحتلال وهو لم يخلق ليقاوم، إنه يدفع عنه ظلم دولة فصل عنصري وآلة دمار جيش الاحتلال الصهيوني، وهو يقتل بدولارات أميركا الغاشمة، والله إنه نكد الدنيا أن يعيش الحر ويشهد هذا الظلم اليومي المستمر !

دولة فصل عنصري بشهادة منظمة «بتسيلم» اليهودية، ومنظمة «هيومن رايتس» والعيادة القانونية لجامعة هارفرد وتقارير الأمم المتحدة، ومع ذلك تمول بعشرات ملايين الدولارات يوميا لأجل الحفاظ على أبنائها أبناء الله المختارين وقتل غيرهم ، وهل أبناء غزة هم أبناء الشياطين المنبوذين؟! هل يعقل أن نقتل الناس بقصص غبية عن ميثولوجيا وقصص وهمية حول أن الله يفرق بين خلقه وأنه يفضل بعضهم على بعض، أي منطق غبي وتافه ومتهافت يحمله رجل دين خرف ومع ذلك ينجح بأن يقنع العالم «المتحضر» ليقف خلف ظلم عميم ..

هل لنا أن نذكر العالم أن الغزيين بشر مسلمون ومسيحيون ولا دينيون أيضا وقربوا يكفرون بكل شي !! وأن منهم شقر وأعينهم زرق مثل شعب أوكرانيا، كم أشعر بالقهر والغضب كيف باعنا هذا الغرب الاستعماري المتطرف دينيا حقوق الإنسان في أبهى صورها إلا حقوق العربي الفلسطيني، وكيف دعت لكل الحريات الدينية ثم مولت خرافة دينية عن الله وشعبه المختار وكيف بمثل هذه الخرافة ورغم تهافتها أن تكون أساسا لقتل وتهجير وسجن وظلم وإفقار !! تبا للعالم الحر الذي ينادي بأكثر أشكال الحرية تطرفا ثم يصغر ويتحول إلى ظالم منافق مجرم عندما يتعلق الأمر بالعربي الفلسطيني الغزي !

لا أريد أن أتحدث اليوم عن المقاومة ولا عن الفصائل المقاومة، ولا أفهم ولا أريد أن أفهم كيف تختلف الضحايا ويتفرقون إلى فصائل وأحزاب، لا أريد أن أتكلم في السياسية ولا عن إيران ولا حزب الله ولا حماس ولا حسابات الفصائل ولا اختلافها ولا مصالحها، أريد أن أتكلم وأذكر من يموتون !! وأن أذكر العرب والغرب والعجم والبجم، أن الفلسطيني لم يخلق للشهادة والموت والمعاناة، الفلسطيني بشر طبيعي عادي خلق للحياة والحب والزواج والمتع والإنجازات .. الغزيون لهم أحلامهم الصغيرة ورغبة مفعمة في الحياة كما قال محمود درويش…

ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا
ونرقص بين شهيدين، نرفع مئذنة للبنفسج بينهما، أو نخيلا
نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا .
افهم علي جنابك !!

المقال السابق للكاتب 

مصالح الطفل الفضلى

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock