أفكار ومواقف

أحلام كورونية

لم تكتف جائحة كورونا بالتحكم في الواقع الجديد الذي فرضته علينا: هذا الواقع الذي نجح حقاً في تغيير أنماط سلوكنا وتصرفاتنا، والتفاصيل الصغيرة في حياتنا. حتى أنّ أحلامنا لم تسلمْ من تطفل كورونا! أحلامنا التي ربما كنا نجدُ فيها الملجأ للهروب من هذا الواقع المرير الذي يطاردنا منذ عام مضى. نعم انتصرت كورونا، وتسللت إلى أحلامنا الجميلة، ولوثتها بمفرداتها؛ فتحول الحلم الجميل إلى كابوس يترجم في كمامة تحرمنا من استنشاق الهواء بالقدر الذي نهوى، نضعها ولا نستطيع خلعها، ولا نجرؤ على أن نرى أنفسنا من دونها، فقد أصبحت جزءًا منّا, وفي لقاء غير مكتمل بالأهل والأصدقاء والشوق يحثّنا إلى عناق أو يدفعنا إلى أن نمدّ أيدينا للمصافحة لكن عبثاً، تعود أيدينا الراجفة فتسقط مترددة.
إن تأثير الجائحة علينا لم يقتصر على الناحية الصحية والجسدية، بل طال كل ما يتعلق بمكنوناتنا كبشر وأهمها صحتنا النفسية. ولا أشكك بأن التباعد الاجتماعي الذي فرضته علينا مخرجات السلامة العامة والتزامنا نحو أنفسنا وأهلنا ومرضانا بات هو سيد الموقف لأن فيه الأمن والأمان من ناحية، لكنه من ناحية أخرى عزز فينا مفهوم العزلة الاجتماعية.
لقد تنبّه العلماء مبكرا إلى الأزمة النفسية التي نعانيها والتي تسببت فيها الجائحة: فما من بيت إلا وكان فيه أكثر من مصاب بكورونا ناهيك عن الأحبة الذين نفقدهم كل يوم إثر إصابتهم بهذا الفيروس اللعين، والوضع الاقتصادي المتدهور، عدا عن متابعتنا النشرات الإخبارية التي تؤرقنا والتي تتحدث عن كورونا وأعداد المصابين الهائلة وأعداد الوفيات الصادمة، والدراسات التي تطلع علينا كل يوم بمستجدات حول طبيعة الفيروس وما قد يخلفه على الناجين من كآبة، وإرهاق، وشعور بالضعف وفقدان الشهية للحياة. كل هذا راكم عبئا إضافيا فوق همومنا اليومية، فصار كل فرد فينا يحس في قرارة نفسه بالحاجة إلى إعادة تأهيل للعودة للانخراط في العمل، والمجتمع والحياة من جديد. كل هذا مدعاة إلى الشعور بالأرق والقلق والخوف والذي أثر في عادات النوم عندنا كماً ونوعاً، فكثيرون منا يشتكون من قلة عدد ساعات النوم التي يحظون بها، ومن النوم المتقطع وزيادة نسبة الكوابيس.
إن التغير في محتوى الأحلام وزيادة عدد الكوابيس التي نعايشها في نومنا، تكثر وقت وقوع الأزمات والكوارث؛ فالدماغ بدلاً من أن يرتاح أثناء خلودنا للنوم، ينشط ويقوم بتحليل كل ما مر بنا أثناء النهار وكل ما يشغل بالنا، ويقوم بمحاكاة أبرز مخاوفنا. ويرى بعض العلماء أن هذه الكوابيس تندرج في خانة مبدأ الدفاع عن النفس؛ حيث يقوم الدماغ بمحاكاة أسوأ ما قد يقلق ويؤرق الإنسان في ظروف ذات خطورة أقل: لمساعدته على التأقلم وكيفية التعامل مع هذه المخاوف في ظروف أخرى خطرة، ويهيئنا لتقبل المستقبل ومواجهته بمخاوفه الحقيقية.
إن أحلام كوفيد تعكس درجة التوتر التي يعاني منها الأشخاص في هذه الظروف الحرجة، والشعور بعدم الأمان على مختلف الأصعدة سواء الصحية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، كما تُترجم التغير الكبير الذي طرأ على حياتنا اليومية، كما كان للإغلاقات المتكررة دور مهم في حدوث اضطرابات النوم التي أصبحت اليوم أكثر شيوعاً.
بعيداً عن العلماء واختلافهم في تفسير الأحلام، بين سيغموند فرويد الذي يرى في الأحلام محاكاة شعورية لتجارب حدثت في اليقظة، وتحقيقا لمشاعرنا الدفينة، وبين ريفونسو الذي يراها محاكاة للمخاطر المحتملة، فإن هذه الجائحة لم تكتف بالاستحواذ على واقعنا الذي نعيشه، فتسربت إلى أحلامنا أيضاً، وحولتها إلى أحلام كورونية بامتياز؛ فالأحلام ليست سوى امتداد للواقع الذي نعيشه.
لقد مثلت هذه الجائحة الخطر الأكبر على البشرية منذ وقوع الحرب العالمية الثانية، وجلبت معها العديد من المشاعر السلبية مثل: الخوف، والحزن، والغضب، كما كثفت ذلك الإحساس بالعزلة الاجتماعية والابتعاد عن العائلة والأصدقاء، وممارسة بعض النشاطات والهوايات التي أصبحت من الماضي، وهذه جميعها وجدت صداها من خلال أحلامنا التي عكست هذه المشاعر.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock