أفكار ومواقف

أحمد الازايدة

قد لا يعرفه البعض، والبعض لا يعرف امكاناته ومكانته التي تزداد كلما تغيرت المواصفات وانقلبت المعايير، والبعض الآخر ربما لا يحب تذكره لان وجوده كان نقيضا لاصحاب المصالح الذاتية.


أحمد قطيش “ابو بلال” بالتعريف الشخصي كان رئيسا لبلدية مأدبا اكثر من دورة، ونائبا في البرلمان الاردني عام 1989 وناطقا باسم كتلة نواب الحركة الاسلامية، والشخص الاهم في مسار انتاج حزب جبهة العمل الاسلامي. لكن هذه السيرة الذاتية لا تعطيه حقه، فهو قبل هذا وبعده شخصية اسلامية وطنية يملك الكثير من مواصفات الزعامة التي تتجاوز حدود الاخوان المسلمين الى مساحة الاردن، فكان في مادبا محل احترام المسلمين والمسيحيين البدو والحضر والمخيم، دقت اجراس كنائس مأدبا حزنا على وفاته، قبل ان يبكيه من اختلفوا مع خطه السياسي ومن اتفقوا. والسر الذي حمله الى هذه المكانة انه كان اسلاميا يحمل فكرا، لكنه ليس أسير حزب او تنظيم، وكان أردنيا خالصا وطنيا يحمل هم قرى الاردن ومدنه لكن ليس اقليميا. ولعل من حسن حظه، رحمه الله، انه لم يصل الى الزمن الذي ظهر فيه هذا المرض ومارسه البعض تحت لافتات سياسية وفكرية مضللة.


اذا رأيته يلبس اللباس العربي وسمعت لهجته حسبت انك امام رجل بدوي لم يدخل مدينة، لكن هذا كان جزءا من قوته فهو ابن بيئته، يحمل هويتها، لكنه المهندس الناجح ورئيس البلدية المميز، وكان رجل التنظيم الاسلامي المحبوب الذي يرى فيه الجميع مستقبل الحركة وسمات قيادتها، وكان سياسيا قريبا من قضايا أمته وبخاصة قضية فلسطين يحبها ويخدمها بعيدا عن صراعات النفوذ وتجارة المواقع، وكان رمز الموقف الاسلامي الشعبي الذي قدم خدمات جليلة للدولة والناس عندما تدفق المهجرون الى الاردن من حدود العراق بعد العدوان الثلاثيني عبر جمعية الهلال الاخضر، وكان له دور حقيقي في استثمار حالة الانفتاح بعد عام 1989 وازالة مظالم المرحلة العرفية.


لا نتحدث هنا عن تاريخ، ولا نمارس تأبينا لزعيم فقده الاردن قبلل ان تفقده الحركة الاسلامية، لكن “ابو بلال” رحمه الله حاضر لان المجتمعات والتجمعات تفتقد الرموز وأصحاب المقام الرفيع حين تصغر المعايير وتتبدل الثوابت بالمصالح. فقد كان رحمه الله انتاج مراحل النقاء والاخلاص الاخواني، وكان تربويا ورجل تنظيم. وعندما فتحت ابواب المواقع والسياسة على الاسلاميين اضواء الدهشة التي اجتاحت العالم بفوز اسلاميي الاردن عام 1989 وبقي رغم مكانته أقرب الى أصله وفكره واختاره الله تعالى بعد مرض خبيث وصدق بحقه قول القائل: “ولم يستطع من حاولوا وراثته في كل المجالات ان يفعلوا”، لان هذا كان يحتاج الى امتلاك مواصفاته وصدقه، والبعض لا يحب ان تعيش مثل هذه النماذج، لان مجال المقارنة يكشف العيوب ويعطي لبعض الواقع مواصفاته الحقيقية.


في كثير من المحطات الصعبة او الانتقالية للعمل الاسلامي يأتي ذكر “ابو بلال” رحمه الله. والحريصون على ارتفاع سوية الاداء يتمنون وجوده. فالزعامة والرمزية لا تصنعهما الكولسات وتحالفات الكثبان المتحركة ووهم الفكر، لكنها مسيرة ومصداقية قد يكتشفها الناس اذا ما اتيح لصاحبها فرص العمل في الصفوف الاولى، لكن التعيين او الانتخاب الشكلي لا يصنعان الزعماء بل يمنحان الالقاب.


رحم الله “ابو بلال” فقد كان اخوانيا أردنيا، بما لا يخل بفكره الاسلامي وصدقه مع قضايا أمته، يتحدث بلغة الناس ويفهم لغة السياسة. لم يتصنع او يتكلف الصدق والاخلاص بل مارسهما، لم يركب اي موجة، ولم يفقد تواضعه فخرج من بلدية مأدبا بدين مالي ثقيل على كاهله، وخرج من الحياة بسيرة عطرة، وذكرى تحضر عندما تحتاج المراحل الى القيادة الحقيقية، لبس ثياب الازايدة الكرام لكنه مثّل الفكر الاسلامي واحتفظ بمكانة في تاريخ العمل العام.


نتذكره ويتذكره الكثيرون عندما تختلط الامور في مجالات كثيرة من العمل العام، فتغيب المواصفات لصالح الواقع الذي ليس بالضرورة انعكاسا للحق والحقيقة وما يجب أن تكون عليه الأمور!


[email protected]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock