أفكار ومواقف

أحوال الجليس الطيّب

استأجرت منزلاً ذات مرة يملكه أستاذ فاضل. وبينما نتحدث، قال إن لديه مجموعة من الكتب في “سدتين” في المنزل، وإنّ لي مطلق الحرية في استخدامها والتصرف بها. وعندما تفقدت المكانين، وقعت على ما أظنّه ثروة حقيقية: مجموعة من الروايات والمجلات والكتب الصادرة في أواسط القرن الماضي. وضمت المجموعة أعمالاً لنجيب محفوظ، ومحمد عبد الحليم عبدالله، والعقاد وغيرهم؛ ومسرحيات مترجمة مختلفة وأخرى عربية؛ وقسطاً من كتب الدراسات والنقد والقصة القصيرة. وكان الأستاذ معتاداً تسجيل تاريخ ومناسبة شراء الكتاب بقلم حبر أزرق سائل، يكتب به أيضاً تعليقاته وانطباعاته على الحواشي أو في البدايات والنهايات.
وما أزال أحتفظ بتلك الكتب الحميمة مصفرّة الأوراق، المعتدّة بأسبقيتها وحكمتها، في مكان خاص، غير مختلطة بكتبي الجديدة النزقة، وأزورها كلما منحتني المشاغل فسحة أصنع فيها ما أشاء. لكنّ زيارة الناس الكتبَ واستضافتهم لها لم تعد ممارسة مطبوعة، ولا مصحوبة بشغف ذلك الصاحب الذي يسجل تاريخ اللقاء والمناسبة والانطباع. وكم قلّ كثيراً عدد عُشّاق هذه الكائنات الطيبة الذين يصرّون على إفراد مساحة رحبة لها في منازلهم. وأينَ هي المساحات الرحبة التي لا تضجّ ضيقاً بالكتب في العلب الاسمنتية التي تضنّ بالحيز على قاطنيها؟ وكم هم أرباب وربّات البيوت الذي يتسامح واحدهم مع صحبة شريكه من الكتب، ولا يطالعه بالشكوى من جلوسها على المقاعد والطاولات، أو سكونها في الخزائن والأدراج؟
والعملُ والعملية أيضاً. لقد أصبحت الكتب لا تُطعم خبزاً، كما يقولون. إن مردودها لا يكفي كاتبيها مؤونة الاشتغال بعمل آخر رئيسي يطعَمون منه؛ وأثمانها أثقل من أن يقتنيها الراغبون على حساب أشياء أكثر ضرورية وأقل كمالية: شاشات التلفزة؛ الأجهزة الإلكترونية؛ الملابس؛ مدارس الأولاد وأقساط المنزل. وقد سمعتُ زميلاً يقول في إذاعة محليّة إن إقامة معرض كتب في الأردن بعد العيد ورمضان ومصاريفهما أمر غير حصيف وسيئ التوقيت، لأنّ أحوال الناس لا تحتمل الصرف على الكتب –حتى لو توفرت الرغبة في اقتنائها. أمّا إذا غلَبتنا جاذبيتها وأسعفتنا حوافظ نقودنا فاشتريناها، فأين الوقتُ لقراءتها وراحة البال للانسجام معها في زحمة الانشغالات والأخبار والهواجس، وكثرة الجري وراء مصدر آخر يجلب منفعة عمليّة: نقوداً بكل بساطة؟!
سألني أكثر من شخص في الأسبوع الأخير: هل زرتَ معرض الكتب في عمّان؟ وأجبت دائماً وأنا أداري شعوراً بالخجل: “ليس بعد، سأحاول أن أجد وقتاً”. وقبلها، سألني أصدقاء عن كتبهم التي شرفوني بإهدائي إياها، ووجدتني أكثر من الاعتذار عن عدم قراءتها بعد أيضاً، متذرعاً بضيق الوقت وزحمة العمل. وفي الحقيقة، لم تكن هذه الاعتذارات اختلاقاً، وإنّما كانت تقريراً لحقيقة اشتراك معظمنا في الجري أمام عجلة الوقت وكثرة المطالب. وإذا كان في بعضنا ذلك الحنينُ العالي إلى صحبة الكتب، فإنّهم لا شكّ سيكابدون توابع الاضطرار إلى الصحبة النفعيّة التي تمليها الضرورات المادية، على حساب صحبة الكائنات الطيبة التي تنتظر زيارتهم على الرفوف وفي الخزائن. وسيحزنون. وسيتذكرون لدى الخيبة من غدر صديق أو وقت صرفوه عبثاً قولة أحمد شوقي: “أنا مَن بدّل بالكتب الصِّحابا.. لَم أجد لي وافياً إلا الكتابا”.
ولا بدّ لحديث الشجون عن الكتب أن يستدعي أيضاً حكمة المتنبي، ذلك الشاعر الذي دفعه طموحه وسعيه إلى كثرة الاختلاف على المجالس ومناجزة أصناف الناس من كل الطبقات. وعندما أراد أن يلخّص خبرته بإخلاص، قال شيئاً ينقض به كل مدائحه في مَن جالسهم من علية القوم: “أعزُّ مكان في الدُّنا سرجُ سابِحٍ.. وخيرُ جليس في الزّمان كتابُ”. وقَد ذهبَ عصر “السابح” -إلا للمترفين أصحاب الثروات والاسطبلات- وحلّت محلّه السيارات والطائرات. واندثرت تقريباً تلك العاطفة بين كائنين حيين ينبضان معاً في الهواء النظيف: الفارس وحصانه. وكذلك انقلب حالُ الجليس الطيّب الذي بات يجافيه الجُلاس، أو يُضطرون إلى هجرانه.
أمامي كتاب مفتوح مطوي على الصفحة التي وصلت إليها، تحت الهاتف الخلوي، إلى جانب الحاسوب الذي أطبع عليه مقالي: روايةٌ قديمة ثرّة اللغة من كتب الأستاذ صاحب البيت. ربما أجد فسحة للعودة إليه –ربما بعد الانتهاء من المقال، وإعداد صفحة الجريدة!

[email protected]

تعليق واحد

  1. الكتــــــــــــــــاب صديقي
    أشكرك على المقال ..
    الكتاب متعة لآ يشعر بها الأ من أعتاد عليها .في معظم الأوقات تجد الجلوس مع الكتاب اجمل من محادثة الكثير من الأشخاص فالكتاب رفيقٌ لآ يمل منه لآ يستغيب لآ يثرثر ولآ يضيع وقتا بدون افادة وهو كما قلت ثروة حقيقية يجهلها الكثير .الآن حديثا لآ نرى أقبال شبابي على الكتب او الأقبال يكون في حدوده الدنيا فمثلا في مكتبة الجامعة ترى الطاولات مليئة بالطلبة ولكن معظم الطلبة الموجودين يكونون اما يدرسون للأمتحان قبل بساعة أو بحث مجبرين على عمله والأ سيضيع عليهم عشرة علامات وكلي ثقة انهم لم يلمحوا اسم المؤلف او معهم اللاب توب ويضعون على الفيس بوك والذي ينظر اليهم يعتقد انهم ينسخون بحثا !!!
    هنالك خلل واضح في طلبة الجامعات بأنهم طلبة غير مثقفين نهائيا وهنا يأتي دور الدكاترة فمثلا على الدكتور ان يطلب من طلابه اسبوعيا بزيارة المكتبة وعمل ابحاث اسبوعية سواء تعلقت في الموضوع بشكل اساسي او ثانوي وايضا دور الأهل بأخذ اولادهم من اعمار مبكرة الى المكتبة وينتقي الطفل الكتاب او القصة التي يريدها هو حتى يكبر ويعتاد على الكتاب.
    الكتاب صديقي الوحيد الذي يحتملني حينما اغضب ويسعدني حينما اقرأ ويفيدني حينما اخطأ ويعلمني حينما اجهل صدقا لم اجد اوفى منه وأشكرك استاذي العزيز.. مقالك رائع

  2. المواصلات والقراءة!!!
    إذا كنت أنت كذلك(!) يا أستاذ علاء ، فماذا نقول نحن؟! يضحكني كثيرا عندما أسمع بعض المثقفين أحيانا يتكلمون بألم عن هذا الغربي الذي دائما يُشاهد وهو يقرأ كتابا ، في الباص ، في المترو، في السيارة ، في الحديقة ، ويطالبون العربي أن يفعل مثله! فأفكر أين لنا بباص مريح دقيق في مواعيده غير مزدحم لا تسمع فيه أغان شعبية سخيفة بصوت عال ، أو أين لنا بمترو ، أو بسيارة تاكسي تقف أحيانا وقتا كبيرا تنتظر ان يحن عليك سائقها ليقلك ، أما الحدائق(على قلتها) فتحتاج لتلك المواصلات(التي تستنفذ وقتك) كي تصل إليها ، ربما لو توفر الوقت الذي نقضيه في مكابدة المواصلات لأمكننا في أن نملأه بالقراءة :)، شكرا لك على مقالك الجميل ، وشكرا كذلك للسيد فريد صاحب تعليق" أما الآن" فقد أضحكني على تعليقه الظريف.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock