فكر وأديان

أخطاء لو نتجنبها في الحج

د. محمد المجالي*

كم هو عظيم ركن الإسلام الخامس، حيث تجتمع عدة عبادات في هذا الركن، وحيث استشعار أكثر من ركن من أركان الإيمان: الإيمان بالله وتوحيده، والإيمان بالرسل واليوم الآخر، منذ لحظة السفر التي تشعرك بالبعد عن الأهل والدنيا، إلى لباس يشبه لباس الكفن، إلى طواف تتذكر به أنبياء الله والصحابة وتاريخا عريقا ممن حج من قبلك هذا البيت. وربما تطأ قدماك المكان نفسه الذي وطئته قدما النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وسلف هذه الأمة.
نجتمع كلنا، عبر تاريخنا، في المكان نفسه الذي هو قبلة الأرض ووسطها ومركزها، ثم السعي حيث تذكر أمنا هاجر وابنها إسماعيل، ثم عرفة حيث استشعار الحشر يوم القيامة، وهو ركن الحج الأعظم، وفيه يعتق الله من شاء من أهل الموقف، ويباهي الله بهم أهل السماء ويشهدهم أنه غفر لهم أجمعين. ومن ثم مزدلفة حيث المشعر الحرام والذكر لله عنده، ثم منى حيث الرجم في مكان كان الشيطان يوسوس فيه لأبينا إبراهيم أن لا يطيع الله فيما أمره، ثم مبيت لعدة ليال في منى لاستشعار الحال الذي عليه المسلمون، ومزيد من الانقطاع عن الدنيا وإظهار المسكنة والتواضع لله.
لم يرد ذكر الإخبات (وهو بمعنى السكينة والإنابة والتواضع) في كتاب الله إلا ثلاث مرات، في سورة هود، عند الحديث نظريا عن المتجبرين المكذبين الذين يبغون سبيل الله عوجا، فيأتي قوله تعالى: “إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم، أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون” (هود، الآية 23)، ثم يأتي الحديث بالتفصيل عن العتاة المتجبرين من أقوام الأنبياء، حيث نوح وهود وصالح ولوط وشعيب.
أما الموضعان الآخران ففي سورة الحج، وليس هذا صدفة، فقال الله: “وبشر المخبتين، الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون” (الحج، الآيتان 34 و35)، وقال: “وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به (عن القرآن) فتخبت له قلوبهم، وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم” (الحج، الآية 54). أقول بأن ذكر الإخبات في الحج ليس صدفة، فالله يريده مجالاً للتذلل له والانكسار والخضوع والإنابة وإظهار المسكنة له تعالى والتواضع معه ومع الناس؛ فالحج مدرسة في هذا، حيث مظاهره وبعض أفعاله هي هكذا، توحد المسلمين وتساوي بينهم وتذكرهم بأصلهم أنهم لآدم، وآدم من تراب.
ولا شك أن الحديث عن الحج وخطبة الوداع أمر يطول، ولكنني أقف عند العنوان، حيث بعض الأخطاء التي تنكد على الحجاج مناسكهم، وربما تذهب بالحكم الكثيرة التي من أجلها شُرع الحج. وأزعم بأن مرجع هذه الأخطاء هو الجهل، والجهل يقود إلى أمرين اثنين خطيرين، هما: كثرة الأخطاء والتجاوزات والمخالفات، والآخر هو اللامبالاة في شأن النظافة في الشأن كله، خاصة في عرفات ومنى، بل في الحرم نفسه عند الكعبة!
وأبدأ بالمخالفات والأخطاء، فمنها عند الطواف في مخالفة الاتجاه، والإصرار على تقبيل الحجر الأسود، والإصرار على الصلاة ركعتين عند المقام، وحرص بعض الناس على إحاطة زوجاتهم وبناتهم بسياج بشري خوفا من الالتصاق بهن من قبل آخرين، وكأن بقية البشر ليسو أحرارا مثلهم! وهناك مسألة ليت المفتين يوجهون الناس إليها، وهي أنه في أوقات الأزمات، مثل الحج والعشرة أيام الأخيرة من رمضان، ليت الطواف يكون للمحرمين، فلا داعي للتنفل بالطواف حول البيت، وهذا يخفف كثيرا من الأزمة، فلسان حال الطائفين هو متى ننتهي على خير، ولا يستشعر خشوعا أو دعاءً.
أما في السعي، فقد لاحظت هذا العام رغم التوسعة التي جرت للمسعى، وهناك أربعة طوابق عدا الذي تحت الأرض، أن مخالفة الاتجاه حاصلة. أما في منى، فالمشكلة متعلقة بالمكان؛ فهو محدود لا يتسع للجموع البشرية، وهنا يلجأ جزء من الحجاج إلى افتراش الأرض وسد الشوارع، ومن ثم التضييق على السيارات والمشاة. وربما كانت سيارات الإسعاف بحاجة ماسة إلى السرعة من أجل إنقاذ أرواح المرضى. وقد يلجأ بعض الحجاج إلى افتراش الأرض لكون مسكنهم بعيدا جدا عن الرجم، وهكذا.
أما موضوع النظافة فحدث ولا حرج! كم يتضايق المسلم لسلوكيات بعض الناس، ومردها العلم والثقافة أصلاً، ابتداء من البيت وانتهاء بالمدرسة والبيئات التعليمية المختلفة. فعندما غادرنا عرفات، كانت الشوارع تعج بالقاذورات المنتشرة في كل مكان، وكذا في منى. ولا تستطيع فرق النظافة القيام بواجبها من كثرة المفترشين للأرض المعيقين للعمل. هكذا هي الحال؛ جهل يقود إلى مخالفات ولامبالاة في النظافة.
ولا أدري لماذا لا يكون هناك اجتماع خاص لمجمع الفقه الإسلامي يعالج إصدار فتاوى متنوعة في شأن الحج، تبدأ بالمتفق عليه من الأركان والواجبات، وتذكر الآراء المختلفة بدون تعصب لرأي؛ فهناك الأكمل وهناك المتوسط والحد الأدنى من الأعمال، لاسيما وأن مبدأ الحج كله قائم على قوله صلى الله عليه وسلم: “افعل ولا حرج”. فلماذا الإصرار إلى الآن، من قبل كثيرين، على أن الرمي في أيام التشريق لا بد أن يكون بعد الزوال؟! ولماذا لا يؤخذ برأي أبي حنيفة في موضوع المبيت بمنى وأنه سُنّة؟ ولماذا لا يؤخذ برأي مالك في طواف الوداع وأنه سُنّة أيضا؟ فلو علم الناس مثل هذه الآراء، لأدى هذا إلى تحفيف كثير من الحرج والضيق على الحجاج.
وثمة أمور متعلقة بخدمة الحرم. فأكثر مشكلة بعد الازدحام هي مسألة المواصلات، فلا بد من حلها والاستغناء عن الباصات والسيارات الملوثة للبيئة الجالبة للأمراض، ولتكن شبكة قطارات تحت الأرض أو فوقها. فمتى نصل إلى راحة حقيقية للحجاج تعكس صورة حضارية عن ديننا؟
إنها مسؤوليات مشتركة، تبدأ بالبيت وتمر عبر التعليم والبيئة، وتنتهي بالتوعية الحكومية والنظام في البلد المضيف نفسه، أن يعين على النظافة والالتزام. متى تسترجع أمتنا واقعها المنظم الحضاري، ومعظم شعائرها تقوم على النظام والنظافة؟ فليتها ترجع وتدوم.

*أكاديمي أردني

تعليق واحد

  1. دين نظيف وبعض متدينيه …
    باديء ذي بدء أبارك لكم حجكم ، جعله الله حجا مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا وتجارة لن تبور. اتمنى أن يكون كل شيوخنا وفقهائنا مثلكم، ليس تعنصرا لصلة القربى بكم، ولكن شخصكم الكريم مثال للعقل المستنير وهذا ما لمسته شخصيا خاصة عندما كنا نخالفكم الراي حول مسالة معينة. ديننا دين نظيف ويقوم على مبدأ النظافة الروحية والمادية للفرد والمكان، ولكن للأسف التعاطي الخاطي في تنفيذ العبادات هو المشكلة. بصراحة نحن نلوم الوعاظ والفقهاء والمؤسسات القائمة على الشؤون العقدية والاسلامية في البلدان العربية والاسلامية والاسلامية لتجاهلم فتاوى النظافة وعدم التركيز عليها في التوعية الفكرية والسلوكية للمسلمين. لقد وضعتم يدكم على الجرح يا استاذنا الكريم. ان ما يدعو للاسف اننا عندما نرى مئات الآلاف من النصارى يجتمعون في باحة الفاتيكان في وقت واحد احيانا وعندما يغادرون المكان لا تجد ورقة او منديل على الارض!!! الموضوع موضوع ثقافة كما أسلفتكم حضرتكم يبدأ من البيت والمدرسة والمساجد أيضا. تحية طيبة وكل عام وانتم بخير

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock