في الحقيقة، لم أعتد أن يُنسب أخي رزق إليَّ، “أخو علاء”، إلا عندما رحل. كنتُ كلما سُمِع اسمي في الأوساط التي تُعنى بالثقافة، أُسأل: ما قرابتك برزق أبو زينة؟ أو كان بعضهم يُعرِّف الآخرين بي: علاء، أخو رزق أبو زينة. كان ذلك يقرّبني مباشرة من الآخرين الذين يعرفون أخي، ويتذكرونه بي، ويسألون عن أحواله.
وكنتُ أقول لرزق أحياناً إن فلاناً وفلاناً سألوا عنه وعبروا عن افتقادهم له. كان يُحبُّ أن يعرف أن أصدقاءه القدامى أو الذين قرأوه ما يزالون يتذكرونه. وكان يعتب بصمت لأن أصدقاءه الشعراء لا يتفقدونه ولا يحاولون بجدّ استعادته وإخراجه من عزلته. لكنّني كنتُ أفكر بأنه يجب أن يعرف أفضل. في النهاية، في أي وسط، يجب أن تؤكد أنتَ حضورك، وأن تظلَّ تعلِّم الخطوط تحت هذا الحضور. وفي النهاية أيضاً، ينبغي أن يكون المبدعون دعائيين بارعين لأنفسهم، وإلا طوتهم الظلال –إلا مَن رحمَ ربي ووجد رعاية ما.
لا أعرف كيف تشكلت علاقة رزق مع الشعر واللغة؛ وُلدتُ ووجدُته شاعراً. والمسألة أنه قليل التعليم –بالمعنى المدرسي. ربما وصل في المدرسة إلى الصفوف الإعدادية أو أوائل الثانوية فقط، وذهب إلى العمل كما فعل كثيرون من أبناء اللاجئين الفقراء في تلك الأوقات القاسية. وكانت هذه مشكلة أساسية لرزق الإنسان، والأديب. من ناحية، هناك تلك السهولة التي يتعامل بها مع اللغة، والمفردات وموسيقا الشعر، غالباً كشيء فطري، والمخزون المعرفي الذي جمّعه بالتأكيد من آلاف ساعات القراءة. ومن ناحية أخرى، هناك شعور لم يفارقه –في تقديري- بفقدان شيء لعدم امتلاك شهادة علمية. وكلنا نعرف أن عبقرية آينشتاين وبلاغة سحبان وائل لن يجعلا منك “سلطة” معترفاً بها في مجالك بلا شهادة. من دونها، لن يستطيع سيبويه تدريس القواعد في مدرسة ابتدائية.
ولذلك أيضاً، لم يمتلك رزق ترف العمل في وظيفة مكتبية أو تعليمية بحيث يكون الورق والأقلام رفاقه العاديين. (في الحقيقة كان يحتفظ بقلم وأوراق معه في أماكن عمله التي لا يلزم فيها ورق ولا أقلام، ليدوّن ما يخطر له قبل أن يضيع). ومن الصعب أن يدخر لك العمل في ورشة بناء أو في كيّ الملابس وقتاً وطاقة للعيش وسط المثقفين. ومع ذلك، بعد العمل، ولا أعرف كيف، كان رزق يذهب بشكل شبه يومي إلى “الرابطة” ليتواصل مع أصدقائه، أو إلى مقهى يجتمعون فيه، ويُغيِّر مباشرة من مفردات عمال الورشة أو الخياطين إلى لغة الأدباء. وبعد ذلك، في وقت متأخر ما، يكتب القصائد محاوِلاً ألا يزعج بالضوء النائمين في البيت الضيق الذي لا يتسع لمكتب –حتى أنه أهدى مكتبته لصديق كي يوسِّع حصة أولاده من الحيز الضيّق.
بعض الأصدقاء الذين تابعوا تجربته، فسروا خروج رزق “الاختياري” من الوسط الثقافي وصمته بأنه “حرد” أو “سأم”. وكان تفسير الشاعر يوسف
أبو لوز أكثر دنيوية حين كتب في “صحيفة الخليج”: “وضع أبو زينة في تلك الفترة (الثمانينيات) علامته الشعرية ومضى إلى تأثيث عائلة كان يُبْعد عنها أظافر الفقر بأعمال ومهن عابرة يصبر عليها صبر الجمال كما يقولون، وكان على سبيل المثال يعمل (مكوجياً) للثياب القديمة، ولم يكسر هذا العمل الذي لا يليق بشاعر جميل نفسه وإرادته طالما أنه كان يعود في مساء كل يوم إلى عائلته وأطفاله بربطة خبز، وفاكهة، وحليب هي بالنسبة إليه أهم بكثير من كل قصائد التفعيلة”.
الحقيقة أن رزق لم يقنع بأن الحليب والخبز والفاكهة أهم من القصيدة بحيث يدير ظهره للشعر بلا ندم. لقد حاول ما أمكنه ذلك الإبقاء على تلك العلاقة الواقعة دائماً تحت الضغط، وسجل ما أمكنه على الورق الذي يبحث عنه بين الملابس المجلوبة للكيّ. ويعرف المشتغلون في أي حرفة، وخاصة المتصلة بالإبداع، أن قلة التواصل تتلف المهارة، أو تعيق على الأقل تطوير صاحبها أدواته وتجديد ثيماته –تماماً مثل العازف الذي إذا توقف عن العزف جفت أصابعه وتحددت أنغامه. سوف تصبح الموهبة ملولة في غير محيطها الحيوي.
كتب رزق في البدايات –في الستينيات والسبعينيات وليس الثمانينيات في الحقيقة- إلى جانب الشعر المسرحية، والمقالة، والقصة القصيرة والمتابعات النقدية، لكنه داوم على الشعر الأقرب إليه، في المتاح له من الوقت في استراحاته القصيرة. وأعتقد، للأسف، أن معظم أعماله ضاعت بسبب سوء التوثيق.
أخيراً، أقول، كشيء شخصي، أن كوني “أخو رزق” هو الذي جعلني ما أنا عليه. كان هو الذي أدخلني، صغيراً، عالَم الكُتاب المؤسسين ومقاهيهم حيث سمعت منهم وسمعوني وصححوني. كان ذلك هو الطريق الذي جلبني إلى هنا، وأتاح لي أن أكتب ما أكتب، حيث أكتب، وهنا والآن.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock