أفكار ومواقف

أداء مختلط للاقتصاد خلال 2019: فهل نقلق أو نتفاءل!

يقاس الأداء الاقتصادي لأي دولة بشكل سريع باتجاهات تحرك معدل النمو في الناتج المحلي الاجمالي للدولة وانعكاساتها على معدلات البطالة والتضخم والعجوزات أو الفوائض بمختلف القطاعات الاقتصادية بكافة مسمياتها. إلا أن الحكم الدقيق على أداء أي اقتصاد يكون بالدخول بالتفاصيل وقياس أداء مختلف القطاعات الاقتصادية.
فيما يتعلق بالناتج المحلي الإجمالي بلغ معدل نموه 1.9 بالمائة خلال الأرباع الثلاثة الأولى من 2019، وهو أقل من معدلات النمو المسجلة خلال نفس الفترة من 2018 و 2017. وانعكس ذلك مباشرة على معدلات البطالة فارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة لتصل إلى 19.1 % خلال الأرباع الثلاثة الأولى من 2019. أما معدل التضخم، فبلغ 0.3 % خلال 2019، وهو أقل بكثير من مستوياته المسجلة في 2018
و2017، ومنخفض جدا ويعكس حالة التباطؤ الشديد في النشاط الاقتصادي، واستقرار مستويات الاسعار العالمية وخاصة اسعار النفط التي تدخل الأردن من خلال ما يسمى بالتضخم المستورد الذي تتجاوز مستوياته بالمتوسط أكثر من 56 % من معدل التضخم في الأردن.
أداء القطاع الخارجي كان مختلطا، فحققت الصادرات نموا بنسبة 8.6 % خلال الأشهر العشرة الأولى من 2019، وعكست الانتعاش المستمر لنشاط التصدير منذ 2018 مقارنة بالسنوات الثلاث السابقة. أما المستوردات، فانخفضت بنسبة 5.5 % خلال الفترة نفسها، ما انعكس على شكل تحسن في تغطية إجمالي الصادرات للمستوردات ليصل إلى 43.3 %، وهو من أعلى المعدلات التي تحققت منذ 2013. وسجلت تحويلات الأردنيين العاملين في الخارج تحسنا طفيفا خلال الفترة ذاتها. في حين استمر الاستثمار الأجنبي المباشر في الأردن في الانخفاض خلال النصف الأول من 2019 مقارنة بنفس الفترة من 2018، علما بأن الاستثمار الأجنبي المباشر في 2018 كان أقل من النصف في 2017.
قطاع المالية العامة كان أداؤه متباينا ويميل الى التراجع، فزادت الإيرادات العامة بنسبة منخفضة وصلت الى 1.6 بالمائة، نتيجة للزيادة في الإيرادات المحلية، لكنها ما تزال أقل من المستوى المقدر في إطار ميزانية 2019. بينما ارتفعت النفقات العامة بنسبة 5.5 بالمائة رغم انخفاض النفقات الرأسمالية. أما بالنسبة لعجز الموازنة العامة خلال الفترة نفسها، فارتفع إلى 4.4 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يتجاوز المستوى المقدر لعام 2019 البالغ 2.1 % من الناتج، ويتجاوز معدل العجز المسجل في عامي 2017
و 2018. وفيما يتعلق بالدين العام، فقد ارتفع بنسبة 6.7 % في نهاية أكتوبر 2019، ليصل إلى 30.2 مليار دينار، أو 96.9 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي.
القطاع النقدي والمصرفي، كان أداؤه مختلطاً، فكان ايجابيا في القطاع المصرفي وعلى صعيد السياسة النقدية، الا أنه كان سلبيا على صعيد البورصة والمؤسسات المالية غير المصرفية. فما أسباب التباطؤ الاقتصادي الذي سجل في 2019؟
كان التباطؤ الاقتصادي في الأردن مدفوعًا بمجموعة واسعة من العوامل الداخلية والخارجية. فكان للربيع العربي تداعيات كبيرة على الاقتصاد الأردني. كما وضع الصراع في العراق وسورية وتدفق اللاجئين السوريين إلى الأردن ضغوطا كبيرة على البنية التحتية والخدمات التعليمية والصحية والموازنة العامة والتجارة الخارجية وتجارة الترانزيت. وشكلت فاتورة الطاقة تكاليف ضخمة على الاقتصاد الوطني، وفرضت تحديا كبيرا على القدرة التنافسية للصناعة الوطنية.
في 2020، تشير التوقعات وفقا لوزارة المالية، إلى أن الناتج المحلي الإجمالي سينمو بنسبة 2.2 %، ما يعني أن جزءا من القطاع الحقيقي سيعود من جديد لحالة الانتعاش ولكن بشكل بطيء وتدريجي. وللعودة الى مرحلة الانتعاش التي مر بها الاقتصاد الأردني في العقد الاول من القرن الحالي، بمعنى أنه حتى يصل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 5 % يجب أن تنمو التسهيلات الائتمانية بأكثر من 11 %. لماذا؟ لأن دراسات النماذج الرياضية والاحصائية الى أجريت أشارت الى وجود ارتباط كبير يصل الى 61 % بين التسهيلات الائتمانية الممنوحة من البنوك ومعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي. ولكن هذا يتطلب وجود طلب ومشاريع اقتصادية مجدية وقابلة للإقراض في مختلف القطاعات الاقتصادية.
في الأشهر الأخيرة، أطلقت الحكومة الأردنية أربع مجموعات من الحوافز الاقتصادية، وباعتقادي أنها إجراءات وسياسات إيجابية وستحرك قطاعات محددة، لكنها غير كافية لتحريك عجلة الاقتصاد وتحقيق معدلات نمو كبيرة. الحاجة ماسة للمزيد من الاستثمار في مختلف القطاعات الاقتصادية، وخاصة التصديرية منها. ندعو الجميع للتفاؤل والعمل والتركيز على الانتاجية وتحسين جودة المنتجات لزيادة التنافسية وفتح المزيد من الاسواق وتوسيع الاسواق القائمة وتنويع المنتجات التصديرية.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock