أفكار ومواقف

أدباء رغم أنف الأدب!

يلجأ الملايين اليوم إلى السوشال ميديا للتعبير عن أنفسهم، فيكتبون كتابات ذاتية، أو في الشأن العام. معبّرين بكلماتهم عن إحساسهم بالأشياء والأحداث. والمصيبة الكبيرة هي أنهم يعتقدون أن ما يكتبونه أدبا يستحق النشر والتقدير والإشادة.
الحالة عامة، ولا تختص بها ساحة أو دولة دون أخرى، فـ”الجرائم” في حق الإبداع ترتكب في كل مكان، والتسويق لها، أيضا، يشارك فيه كثيرون، أحيانا عن جهل، وأحيانا أخرى لأغراض غير مستقيمة.
في هذا السياق، فإن الجرائم ضد الإبداع ترتكب في مجالين؛ أولا الذائقة، وثانيا اللغة.
الإبداع الأدبي محمول على اللغة، ومن لا يحترف تطويع المفردة والجملة والصورة ينبغي أن لا يتنطح للكتابة. اللغة كائن حي لا تستطيع تطويعه لمجرد حفظك قوالب، ربما يكون عفا عليها الزمن، بل هي أعند من ذلك، فبما هي كائن حي، فإن قدرتها على التطور مستمرة دائما، وينبغي لمن يريد الكتابة أن يظل مسايرا لهذا التطور، وأن يعبّر في كتابته عن روح العصر الذي يعيشه، لا أن ينكص إلى غيره، فيتحول إلى شخص كما لو أنه يستعيد إحيائية لا تجوز له.
ولكن قبل أن نذهب إلى جماليات اللغة وموسيقاها وبلاغتها وبديعها، ينبغي لنا أولا، وقبل كل شيء أن نتقن كتابتها، لا أن تكون إدراجاتنا على مواقع التواصل الاجتماعي بمثابة فضائح لغوية بسبب كثرة ما تشتمل عليه من أخطاء فاحشة.
أما الجرائم بحق الذائقة فهي أكثر بكثير، إذ تنتشر آلاف النصوص يوميا في فضاء التواصل الاجتماعي، كثير منها يسيء إلى الأدب والذائقة، فهي إما تهويمات مبهمة لا يمكن جمعها بمعنى يؤدي إلى غرض الكتابة، أو أنها كتابات صبيانية سطحية، أو ما يطلق عليه “الحركة الأولى” في التعبير عن النفس والمحيط، وتحتاج إلى مران ودربة طويلين من أجل أن يمتلك صاحبها ناصية الكتابة المقبولة كحد أدنى.
في زمن السوشال ميديا ومشاعية المنبر اختلفت معادلة الكتابة واشتراطاتها، ففي السابق كان الكتّاب المحترمون يتزاحمون على منابر محدودة جدا، والمحظوظ هو الذي يجد له مكانا فيها، بينما كانت النصوص تخضع للنظر من قبل أشخاص يمتلكون المقدرة على النظر في النصوص وتحكيمها، ويمتلكون ميزة تذوق الأدب، ومعرفة الجيد من السيئ.
اليوم صار المنبر متاحا للجميع، ويستطيع كل من يمتلك هاتفا ذكيا أن “يفرد عضلاته” الإبداعية أمام جمهور بالملايين، مستعرضا قاموسه الضحل في اللغة والإبداع. والمسألة الأكثر قتامة تكمن في أن تقييم نصوص هؤلاء يأتي من عوام لا يمتلكون السوية الإبداعية للنظر في النصوص والحكم على قيمتها الفنية.
هكذا، بتنا نرى غزلا سوقيا بنصوص لا ترقى لأن ترمى في سلال المهملات، وهكذا تجرأ هؤلاء على غزو دور النشر وإصدار كتب بأغلفة أنيقة، ليضيفوا إلى ما قبل أسمائهم المجردة ألقابا رنانة أهلتهم إلى عضوية هيئات ثقافية كانت تتصف بالجدية في عقود سابقة. والأمر مسحوب أيضا على بعض “كتبة” المقالات الذين لا يمتلكون الحس ولا الموهبة لكي يتنطحوا لمثل هذا الأمر.
بالتأكيد، فإن من حق أي شخص التعبير عن نفسه في سياقات كتابية، بحسب ما يرى، ويحق له كذلك نشرها على صفحاته الخاصة، واستقبال “التهنئات” و”الزغاريد” من أصدقائه ومعارفه. ولكن لا يحق له حشر نفسه في صفوف الكتاب، ولا في الهيئات التي من المفترض أنها ترعى شؤون الإبداع والمبدعين. كما لا يحق للعوام الذين لا يمتلكون خبرة الكتابة وأسس النظر فيها أن يتنطحوا لمنح “صكوك غفران إبداعية” لأولئك. هذا الأمر يدخل في باب الإساءة إلى اللغة والإبداع، وذبح الذائقة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock