ثقافة

أدب الرحلة الأوروبية والوساطة الاستشراقية.. الشرق في عيون السرد الألماني

مراكش – تتأسس الظاهرة الاستشراقية على التفريق الوجودي بين الغرب “المتقدم” والشرق “المختلف” بوصفها خطابا غربيا جمعيا ذا وظائف هوياتية، مما ينتج ثنائية متعارضة تختزل البؤس في الآخر، مقابل الصورة المثالية والإيجابية عن الأنا الغربية المتحضرة.
ينعكس ذلك على الرحلة الأوروبية التي ينظر إليها المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد بصفتها أداة مهمة لمعرفة الشرق وتصويره، ويعتبر أن أدب الرحلة عن الشرق من أهم الوسائط النصية للظاهرة الاستشراقية.
ويقول الباحث المغربي زهير سوكاح إن أدب الرحلة الأوروبية يعد وسيطا سرديا من وسائط الظاهرة الاستشراقية، وفي الوقت ذاته فإن هذا الجنس الأدبي يشكّل في حد ذاته، وإلى يومنا هذا، منتجا للتعاطي الاستشراقي مع الآخر غير الغربي.
في حين ينبّه الباحث والناقد عبد النبي ذاكر في حديثه للجزيرة نت إلى خطورة الصور التي نسجتها الصحافة الأوروبية، وما تزال تنسجها حول الآخر، وهي تعود إلى أصول قديمة وأجيال عريقة، وتمتد من مرجعية واحدة ألا وهي الرحلة.
جوائز
وشكلت الرحلة الألمانية موضوع دراسة للباحث المغربي زهير سوكاح بعنوان “صورة الشرق في السرد الرحلي الألماني” توجت حديثا بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة (صنف الدراسات) التي يمنحها “المركز العربي للأدب الجغرافي-ارتياد الآفاق”. وهي من الدراسات العربية القليلة التي تعاطت بشكل جدي مع أدب الرحلة الألماني ونصوصه حول العالم العربي مباشرة باللغة الألمانية.
ويوضح الباحث زهير أن أدب الرحلة الألماني حول الشرق يعد شكلا من أشكال إدراك وتصوير الذات الغربية، مبرزا قدرة هذا النمط الأدبي على التأسيس للهوية، كما أمكن له إيجاد مكان ثابت ضمن التقليد الأيديولوجي المستمر للظاهرة الاستشراقية الغربية.
أدب الرحلة
يطرح الباحثون أسئلة جوهرية حول مدى اعتبار أدب الرحلة شكلا أدبيا مستقلا في فحواه ووظيفته.
ويشرح الباحث زهير سوكاح أن محتواه المركزي هو ذلك التلاقي بين الأنا مع الفضاء الغريب عنها، بينما تكمن وظيفته في تثبيت هذا التلاقي سرديا، لذا فالنص الرحلي نص واقعي، لأنه يصف رحلة عايشتها الأنا المرتحلة في واقع غريب عنها.
أما الباحث المغربي الدكتور أحمد صابر فيبرز تداخل عدد من التخصصات وتقاطعها في متونه الواصفة في أدب الرحلة بمختلف المجالات.
ويقول إنه إذا كان لهذا الأدب في العلوم الإنسانية والاجتماعية على اختلاف مشاربها نصيب الأسد، فإنه لا يخلو من مقاربات قد تخص العلوم البحتة ضمن علوم مختلفة، وكلها مميزات لا تجتمع عادة في الأجناس الأدبية الأخرى.
تاريخ
يرجع تقليد أدب الرحلة إلى المرحلة اليونانية، مما يجعله من أقدم الأصناف الأدبية ضمن الآداب الغربية، وتتميز الرحلة الأوروبية عموما، كما يقول عبد النبي ذاكر، بانتقال صاحب الرحلة من ثقافة إلى أخرى مع توظيفه للغته الغريبة عن الميدان الموصوف، وهو أمر ينبهنا إلى إشكالية “زاوية النظر الثقافية”، أي النظر إلى عدد من الأمور التي لا تكاد تستوقفنا نحن “المحليين” بصفتها “عادية”.
في حين يقول الباحث وعميد كلية الآداب بتطوان الدكتور مصطفى الغاشي للجزيرة نت، إن الرحلة الأوروبية خلال الفترة الحديثة والمعاصرة ارتبطت ارتباطا قويا بالأهداف الاستعمارية، لذلك فهي لعبت دورا كبيرا في التمهيد للاستعمار من خلال الكشف عن الأحوال المتردية للشعوب والمجتمعات المستهدفة وضرورة تحضيرها.
رحلة أوروبية
يذهب الباحثون إلى أن الاستشراقيين الفرنسي والإنجليزي كرّسا الهيمنة الأوروبية، في وقت تساءل فيه آخرون عن إمكانية إسقاط هذا الأمر عن الرحلة الألمانية.
إن ما يميز الجنس الأدبي الرحلي الأوروبي، كما انتهى إلى ذلك عبد النبي ذاكر في دراسة له، كونها تشكل عبر إستراتيجيات الشاهد والترجمة بنية متكاملة تحمل مشروعا ذا رؤية واضحة المعالم، له مكوناته الرئيسة التي قادته ووجّهته بشكل شعوري أو لا شعوري نحو رؤية مركزية أوروبية.
ويؤكد أن الرحلة الألمانية لم تكن تغرد خارج السرب الغربي عموما، وأن الرؤية الأوروبية تستبطن رؤية استعلائية على الآخر، وتستنفر بلاغة الدونية من أجل تبرير بسط السيطرة عليه واحتلاله ماديا وثقافيا.
أما الباحث مصطفى الغاشي فيذهب إلى أن الرحلة الألمانية تتموقع داخل المنافسة القوية والحادة بين الدول الأوروبية للسيطرة على مناطق للنفوذ، فكانت هذه الرحلات استكشافية، لكنها تتبع تحركات الدول الأوروبية الاستعمارية بخاصة عند فرنسا وبريطانيا. – (الجزيرة نت)

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock