ترجمات

أرسطو لمناهضي اللقاح: الإنترنت وتراجع العقل

إريك لو بوشر* – (وورلد كرنش) 27/1/2021

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يبدو أن الفضائل التي أرست الأساس لمجالات التقدم العديدة للحضارة الغربية يطغى عليها اندفاع إلى اللاعقلانية، يحركه الإنترنت. الآن، الحراك الاجتماعي يتوقف. والأجور تصبح راكدة. ولم يعد التعليم يؤدي بالضرورة إلى وظائف جيدة. وليست مكافآت النظام المدرسي من النوع الذي كنا نأمله. ويثير أولئك من ذوي الدخل المرتفع مشاعر الغيرة والاستياء. وتضيف جائحة
“كوفيد – 19” المزيد إلى الأزمة.

  • * *
    باريس- كانت الحكمة، والعدالة، والشجاعة واللياقة، هي الفضائل الأساسية الأربع التي تعرِّف ما أسماه شيشرون honestum، أي الشرف. وكان بفضل هذه الفضائل أن تمكنت الحضارة الغربية من تحقيق مثل هذه الخطوات الرائعة في الرياضيات، والقانون، والموسيقى، والهندسة المعمارية، ومن تطوير أنظمتها الديمقراطية، كما أشار عالم الاجتماع الألماني ماكس ويبر.
    ولكن، هل نحن الآن، في العام 2021، بصدد فقدان هذه الفضائل؟ هل نتخلى الآن عن العقل كما فهمه الإغريق؟ هل يجري توجيهنا بطريقة قاتلة نحو ظلام اللاعقلانية، ومعاداة العلم، والعاطفة، والخوف والعنف؟
    كان الهجوم الذي شنه أنصار دونالد ترامب على مبنى “الكابيتول” دليلاً على ذلك. وبقدر ما يكون هذا مثيراً للشفقة كما قد يبدو، فإنه كان مجرد قطعة واحدة فقط من صورة أكبر، والتي تتضمن أيضًا كثرة مناهضي المطاعيم ومنظري المؤامرة.
    يبدو أن العقل يترنح على جميع الجبهات، وإن لم يكن هذا يحدث للمرة الأولى. فكثيراً ما تسمح البشرية للذئب الساكن في أعماق نفسها بالظهور، على الرغم من التقدم الذي يتم إحرازه في التعليم. وتقدم الأهوال التي شهدها القرن الماضي مثالاً على ذلك.
    ولذلك، لا، هذه ليست المرة الأولى. ومع أنه علينا أن نظل متفائلين إزاء قوة وجهنا الآخر، الذي يُظهر التعاطف والعقل، والذي ساد دائمًا في نهاية المطاف، فإن ثمة شيئاً جديداً ومقلقاً بشأن مأزقنا الحالي. إن الذي يحفز هذا الاندفاع نحو اللاعقلانية هو قوة تكنولوجية، والتي تقوم بنشرها وتضفي عليها الشرعية على ما يبدو. ونحن نحاول أن نكون حصيفين، لكن الصراع غير متكافئ.
    إن أسباب تفشي اللاعقلانية عديدة وعميقة؛ أولها هو الشعور بانسداد الآفاق. وعادة ما تجلب التجارة في ركابها السلام والازدهار الذي يملأ البطون ويسمح للبشر بتنحية معاركها جانبًا. ولكن، لسوء الحظ، لم يعد تقاسم ثمار عملنا ملتزمًا بفضيلة العدالة التي تحدث عنها شيشرون.
    الحراك الاجتماعي يتوقف. والأجور تصبح راكدة. ولم يعد التعليم يؤدي بالضرورة إلى وظائف جيدة. وليست مكافآت النظام المدرسي من النوع الذي كنا نأمله. ويثير أولئك من ذوي الدخل المرتفع مشاعر الغيرة والاستياء. ثم هناك جائحة “كوفيد -19″، التي تعزز فقط هذه المرارة الاجتماعية لأنها تبرز عدم المساواة المستشري بين الأجيال، وفي الدخل، والإسكان، والتعليم.
    السبب الثاني هو العولمة التي تجلب معها الاحتباس الحراري والأوبئة العالمية، وتعزز ظهور التهديدات السيبرانية والحرب السيبرانية. وتغرقنا هذه التحديات مثل فيضان. وتتطلب الاستجابة لها تعاونًا عالميًا، لكن التعاون بين الدول يتباطأ فسحب.
    وتشكل الكيفية التي تستجيب بها الأنظمة السياسية لكل هذا سبباً ثالثاً. وقد عرف العقل اليوناني كيفية إفساح المجال للحظ والمخاطرة. وكما علّم أرسطو، فإن الصدفة شيء لا تمكن إدارته والسيطرة عليه. أما اليوم، فإن نفاد الصبر، الذي أثارته وسائل الإعلام، أطاح بـ”الإنسانوية المأساوية التي تدعو الإنسان إلى أن لا يريد كل ما هو ممكن، وإنما فقط ما هو ممكن، وأن يترك الباقي للآلهة”، كما كتب الفيلسوف الفرنسي والمتخصص في أرسطو، بيير أوبنك.
    الآن، لم يعد مسموحًا لقادتنا بالتعامل مع الأمور بخرَق وبلا كفاءة، على الرغم من أنه من الطبيعي والمنطقي تمامًا أن يفعلوا ذلك. ومن هنا جاءت الصعوبات والنقد غير المتوقف الذي اختبرته الحكومات الأخيرة في فرنسا على سبيل المثال.
    الشبكات الاجتماعية هي الأماكن حيث تختفي الفروق الدقيقة
    بالنسبة للعديد من القادة السياسيين، ثمة إغراء باعتناق الديماغوجية الشعبوية والدوغمائية، كما رأينا في توجهات الحزب الجمهوري الأميركي وفي أوروبا الشرقية. وينطبق الشيء نفسه على الجانب الآخر من الطيف: على اليسار، حيث تأخذ راديكالية “الهوية” الأسبقية على التقليد التقدمي، وحيث يأخذ “حس” بالاضطهاد الأسبقية على التحليل الواقعي.
    أضف إلى ذلك العدد المتزايد من الشبكات الاجتماعية، والتي ينبغي أن تكون أداة هائلة للعقل، لكنها تشكل لغير المعقول أماكن تذهب فيها الفروق الدقيقة إلى الموت.
    ولا توجد أمة محصنة، حيث تتأثر كل منها بطريقتها الخاصة. بالنسبة للولايات المتحدة، يتعلق الأمر بالأكاذيب ونظريات المؤامرة. وبالنسبة لفرنسا، تعلق الأمر بفكرة “الطفل البكّاء” ومحو المسؤولية الفردية وراء ستار دولة الحماية. وكل ذلك يشير إلى فقدان للثقة في المؤسسات، وفي المستقبل.
    جلب انتخاب جو بايدن في الولايات المتحدة وتطوير لقاحات “كوفيد – 19” ومضة أمل في مناخ تكتنفه شرور الاقتصاد والتكنولوجيا والمناخ. ولكن، إذا أردنا أن نبقي على العقل حياً وبصحة جيدة حقاً، فسوف نحتاج إلى تعبئة وتحشيد تلك الفضيلة الأخرى المهمة للغاية: الشجاعة.

*صحفي فرنسي، ومدير تحرير المجلة الاقتصادية Enjeux-Les Échos وأحد مؤسسي المجلة الإلكترونية Slate.fr.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Aristotle to Anti-Vax: Internet And The Decline Of Reason

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock