أفكار ومواقف

أرض العرب الخفيضة فعل أيديهم فقط..!

نفهم من الاستراتيجيين أن النفوذ يكره الفراغ؛ إنه سائل، إذا فرغت مساحة انساب من الأرض العليا إلى الخفيضة. وعلى أساس هذه القاعدة الجيوسياسية-الفيزيائية، يقولون الآن، مثلا: “انسحاب الولايات المتحدة من سورية يترك فراغا ستملؤه إيران”.
في السياق الأعم، لا يقتصر الأمر على الفراغ في سورية، وإنما يشكو العرب من فيضان نفوذ القوى الإقليمية –والعالمية على أراضيهم. ولدرء استئساد الآخرين علينا في الإقليم، نستدعي أغرابا أبعد لتملأ الفراغات الكثيرة بذريعة الحماية. وبعد أن كانت قوى الغرب الإمبريالية –والسوفيات بشكل مختلف- هم الذين يتنازعون النفوذ على المنطقة العربية ذات يوم، انضمت إليهم الآن القوى الإقليمية: إيران الفارسية، وتركيا الطورانية، ودولة الاحتلال الصهيونية.
كثرة الطامعين في النفوذ عليك تعني فقط أنك زدت نفسك ضعفا على ضعف، وأصبحت صيدا تتقاتل عليه الوحوش المتوسطة أيضا إلى جانب القوية؛ وأنك حفرت أرضك لتجعلها واطئة ولم تبن لنفسك قلاعا فوق أرض عالية. والقاعدة العملية التي تحكم الجيوسياسة –بغض النظر مدى أخلاقيتها- هي التنافس وسطوة القوي على الضعيف. ولذلك، ينبغي اعتبار عدوانية الآخرين، المنافسين، شيئا مفروغا منه، والكف عن الشكوى منهم، التي لا تطعم خبزا، والشروع في لوم الذات والاعتراف بالسقطات.
عندما يتحدث عربي عن مزايا القوى الجارة، ولماذا تستطيع أن تهددنا، فإنه لا يعقد المقارنات، غالبا، من باب الولاء للآخر والتنكر لقوميته بقدر ما تحرقه الغيرة والقهر. إنه يرى إيران، مثلا، أمة فخورة، تكافح لتحديث نفسها علميا وتقوية نفسها عسكريا ولا تخشى من استعداء الأقوياء. ويرى تركيا دولة متقدمة اقتصاديا وعسكريا يحسب لثقلها وهيبتها حساب. ويرى كيان الاحتلال الصغير وغير الشرعي في فلسطين متطورا اقتصاديا ومتفوقا عسكريا ودعائيا.
صحيح أن هذه كلها أنظمة توصف بالاستبدادية والثيوقراطية، لكن الاستبداد –المرفوض كمبدأ- مع التحديث وبناء الهيبة القومية أفضل من الاستبداد المضاعف، المقرون بهوان الذات الفردية والجمعية، وجعلها مكشوفة، نفسيا وماديا، أمام كل الطامعين.
الخطاب السائد يصنف العرب أمة، مثلما يتحدث عن الأمة الفارسية والتركية –بل وحتى “الإسرائيلية” التي يرونها كذلك برغم كل التناقضات. لكن العرب الذين يعاملهم الآخرون بهذا الوصف الجمعي يصرون على العكس. ويعلنون نفسهم كأمم؛ كقوى متنافسة متعادية عاكفة على تخريب مجالاتها الحيوية. إنهم يقسمون نفسهم إلى سني وشيعي، وغني وفقير، وشرقي وغربي، وتابع لهذا وموال لذاك. وفوق ذلك، يخوضون صراعات مميتة في إقليم داخل الإقليم، والتي تترك فقط مزيدا من الفراغات الذهنية والروحية والفيزيائية التي يطمع في ملئها الآخرون من كل عيار وشكل.
ليس من المنطقي أن تتحدث تركيا وإيران عن الكيان الصهيوني –الذي احتل في الأساس أرضا عربية وحارب العرب- بلهجة أقسى من خطاب العرب. ولا مهرب من مواجهة حقيقة أن الكيان وأنصاره يتحدثون عن التهديد الإيراني فقط، ولا يكادون يشتكون من العرب. وينبغي أن يدعو توزيع القوة والتنافس والتحالفات في المنطقة العرب إلى معاتبة الذات وتغيير الأولويات والانتصار للكرامة والمصلحة والتاريخ.
مشكلة العرب، بوضوح، هي أنهم ينافسون قوى تتعامل مع أنفسها كأمم. ومهما كانت تناقضاتها الداخلية المعروفة للجميع، فإنها تتخاطب مع خارجها بهذا المنطق وتطبقه عمليا. إنها قوى مادية وغير كلامية، بدليل خوفنا منها. والسبيل الوحيد أمام العرب للمنافسة، هو أن يكونوا أمة -أو حتى تكتلا براغماتيا إذا كانوا يتنكرون للعاطفة القومية والمشتركات الموضوعية والقرابة الطبيعية.
لا بديل للعرب عن التعاون والتطوير وبناء القدرات الاقتصادية والعسكرية على أساس تعزيز المؤتلف وتحييد المختلف. وفي عمق الأمور، لا تناقض جوهريا بين مصلحة الشعوب والأنظمة –كما هو الحال غير الطبيعي السائد اعتباطيا. الأنظمة تجاهر بخوفها من نفوذ الجيران قبل الشعوب. ولذلك، ما العيب في جسر الهوة بين الحكام والمحكومين، والأغنياء والمعدمين، والشرقيين والغربيين، وأن يكون الولاء للمصلحة الجمعية بدلا من شكوى العجائز من تنمر الآخرين.
إذا أردت أن لا يعتدي جيرانك على بيتك وهيبتك، قو نفسك ورتب بيتك واستخدم مواردك. وبعدها، لن تضطر إلى الاشتباك مع أهل بيتك المظلومين، أو الاستنجاد بغريب ومنحه طعامك وغرفة نومك. وبدلا من الشكوى وتخويف رعيتك بالآخرين، لم نفسك على ضعفك، ولا تخذل أخاك وابن عمك أمام الغريب. لا تتذرع بلوم الآخرين على طمعهم فيك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock