أخبار محلية

أرقام الفقر.. نماذج في الكذب ‘‘الأبيض‘‘

احمد أبو خليل

عمان– في مقابلة قديمة مع المدير الأسبق لدائرة الإحصاءات العامة الدكتور حسين الشخاترة، روى لي بعض الأقوال الدارجة التي تشبه النكات التي يتداولها المشتغلون بعلم الإحصاء، ومن أشهرها القول التالي: “هناك كذبة، وهناك كذبة كبرى، وهناك إحصاء!”، والعبارة تعني أن الإحصاء قد ينطوي على أشد أنواع الكذب.
ولكي لا يذهب ذهن القارئ باتجاه خاطئ، فإن دائرة الإحصاءات في الأردن عموماً، ولكن خاصة في الفترة التي أدارها فيها الدكتور الشخاترة ذاته، طورت تقاليد مهنية عالية، وهي الآن تعد مرجعاً في ميدانها على مستوى المنطقة، ورغم تبعيتها الإدارية لوزراة التخطيط، إلا أنها حافظت على درجة مقبولة من الاستقلالية.
لكن التهكم الدارج بين الإحصائيين عن عملهم يتعلق أصلاً بطبيعة الصنعة، أي طبيعة العمل الإحصائي، وكيفية قراءة الأرقام، والمنهجية المتبعة في الحصول على الأرقام، ومدى تعدد المنهجيات المتاحة، ونوع الرقم الذي يطلبه المسؤول أو المخطط المعني بالرقم… إلخ. ولعل واحدا من أشهر الكتب القديمة في علم الإحصاء يحمل اسما غريبا هو “كيف تكذب بالإحصاء؟”. وبالطبع فإنه لا الإحصائيين ولا المخططين ولا أصحاب القرار يرون أن في ذلك مشكلة أخلاقية من أي نوع.
أرقام الفقر
الملاحظات التالية في هذا المقال، تتعلق بأرقام الفقر في الأردن، وهذه المهمة بالمناسبة لم تكن في بداية عهدها منوطة بدائرة الإحصاءات العامة، ولم تصبح كذلك إلا منذ عقدين أو أكثر بقليل، وبالذات منذ أن دخل البنك الدولي على موضوع الفقر، أي في الفترة التي تلت دخول الأردن في سلسلة ما يعرف ببرامج التصحيح. قبل ذلك كانت أرقام الفقر وتحديدها من مهام جهات رسيمة أخرى، وتعالوا نفصل قليلا:
وفق الدكتور محمد الصقور (وهو صاحب أول دراسة رسمية عن الفقر أجريت عام 1987 ونشرت في العام 1989)، فإن وزارة التنمية الاجتماعية في منتصف الثمانينيات (كان الصقور حينها أمينا عاما ثم أصبح لاحقا وزيرا) صممت ونفذت برنامجا للمساعدات، وأثناء العمل الميداني لاحظ العاملون وجود مظاهر فقر متفرقة، فطرحوا على أنفسهم سؤال: لماذا لا ندرس الظاهرة؟
أخذت الفكرة تنمو تدريجيا، وتحولت إلى اقتراح ثم إلى خطة بحث، وموازنة مالية، قُدّرت آنذاك بمبلغ 70 ألف دينار، غير أن الحكومة خفضت المبلغ إلى 55 ألفاً، وقد أنفق منها 45 ألفا فقط (لاحظوا أن الدراسة أنجزت بوفر مالي).
يتذكر الدكتور الصقور، في مقابلة نشرت سابقا،: “لقد علّمنا أنفسنا بأنفسنا، فلم تكن هناك دراسات أو أدبيات مناسبة يمكن الاستعانة بها لا محليا ولا عربيا حول ظاهرة الفقر، وكان ما عثرنا عليه، بعض الدراسات البسيطة واحدة عن فيتنام والثانية عن كوريا، ولهذا صممنا البحث محليا بالكامل، وفيما بعد أرسلناه للبنك الدولي للاستشارة، وكان البنك الدولي نفسه حينها جديدا على الموضوع”.
من المعروف أن نتيجة هذا الجهد الرئيسية تمثلت بإنشاء أول مؤسسة وطنية لمعالجة الفقر تحت اسم “صندوق المعونة الوطنية” الذي ما يزال قائما، ويعد (رغم كل الملاحظات) من انجح الأفكار في مسيرة مكافحة الفقر في الأردن، وأكثرها جدوى، وخاصة بالمقارنة مع الأفكار والمشاريع الأخرى التي استحوذت، وما تزال تستحوذ، على موازنات مالية كبيرة بإشراف وزارة التخطيط.
رجل الإحصاء ورجل التنمية
من الزاوية التي يهتم بها هذا التقرير، أي زاوية مصداقية الرقم الإحصائي، فإن حكاية أول جهد إحصائي وطني تحمل أهمية كبيرة، فهي تمثل النمط الصحيح للعلاقة بين الإحصائي كحرفي وبين الأهداف الاجتماعية التي يضعها المُخطط. فالأصل أن الجهة الاجتماعية التنموية هي التي تضع القضية والهدف أمام رجل الإحصاء، ثم تطلب منه أن يقوم بعمله في الحساب، ولكن هذه العلاقة انعكست تماماً منذ عقدين، حيث أصبحت دائرة الإحصاءات تقوم بمهامها الخاصة في الرصد والإحصاء للأرقام الوطنية ومن بينها تلك المتعلقة بالدخل والإنفاق، ثم تأتي الجهات المختصة بالفقر، وتتعامل مع النتائج.
هذا ما يفسر تضارب الأرقام في بعض الحالات، ولهذا وضعنا في عنوان هذا التقرير وصف “الكذب الأبيض”. فأنت إذا سألت رجل الإحصاء فإنه سيدافع عن صحة رقمه ودقته متعللا بالمنهجية التي اتبعها، وهو في ذلك محق وصادق.
غير أنه كان على المسؤول الأساسي عن موضوع الفقر، أي صاحب القرار التنموي والاقتصادي/ السياسي الكلي، أن يحدد للإحصائي المهمة المطلوبة.
مثال: سنتناول مثالاً واقعيا من سيرة أرقام الفقر في الأردن: ففي العام 1997 أعلنت وزارة التخطيط، بالاشتراك مع البنك الدولي، عن أن نسبة الفقر في الأردن بلغت 21 %، وفي الدراسة اللاحقة العام 2005 أعلنت (أيضا بالاشتراك مع البنك الدولي أن النسبة انخفضت إلى 14%).
في تلك الفترة بالذات كانت دراسة أخرى أعدتها منظمة الاسكوا (الأمم المتحدة) بتكليف رسمي من وزارة التنمية الاجتماعية وبإشراف الخبير الدكتور حسين باقر، تعلن أن نسبة الفقر 35 %، وقد مُنعت وزراة التنمية من إعلان نتائج تلك الدراسة رسميا.
يعود السبب في التباين بين الرقمين في فترة واحدة، إلى مسألة منهجية الحساب والإحصاء المتبعة في كل من الحالتين. لقد استمر كل فريق يقول –محقاً- إن رقمه صحيح، وذلك استنادا إلى المنهجية التي اتبعها.
ما الذي يعنيه ذلك؟
يمكن القول بثقة، إنه لا توجد دلائل واضحة على “تسييس” الرقم الإحصائي المتعلق بالفقر في الأردن، لكن بالمقابل فإن ما يحصل يعني أن هناك تسييساً في اختيار منهجية الحصول على الرقم.
يعود آخر رقم إحصائي رسمي عن الفقر في الأردن إلى عام 2012 الذي حسب استنادا إلى معطيات وبيانات العام 2010، وذلك وفقا للطريقة المتبعة، حيث يجري المسح، ثم تحتاج عمليات التفريغ والتحليل الإحصائي إلى حوالي عامين. ولكن ما حصل في المسح التالي الذي أجري في العام 2012 واكتمل تحليله في العام 2014، أن وزراة التخطيط رفضت إعلان النتائج التي جاءت مرتفعة (أكثر مما رأته منطقياً!)، وعللت ذلك بالمنهجية. لكن مسألة تأثير المنهجية لا تقتصر على مستوى الأرقام والنسب الكلية المتعلقة بالفقر، فهناك في تفاصيل الأرقام والنسب، أي تلك المتعلقة بالمناطق (أي الأقضية والألوية) حالات ملفتة للانتباه في تناقضها.
على سبيل المثال، فإن جدول نسب الفقر على مستوى الأقضية العام 2006 والذي يشمل 90 قضاء، يضع بلدة كفرنجة في عجلون في المرتبة 68، ثم ينقلها الإحصاء التالي بعد سنتين إلى المرتبة 8، وهو ما يعني أن كفرنجة انتقلت 60 مرتبة في سجل الفقر خلال عامين، وهذا يفترض أنه يعني أن كارثة ما حصلت في تلك البلدة! ولكن الإحصاء الثالث يقول إن الفقر في كفرنجة تراجع مرة أخرى بنسبة حوال 20 %!
أخيرا.. نحن الآن في “فراغ إحصائي”! إذ يعود الرقم المستخدم إلى 8 سنوات مضت. ويبدو أن هناك أزمة بين المنهجية الاعتيادية التي أشارت إلى أن الرقم سيكون كبيراً، وبين النسب “المستهدفة” أو المقبولة (سياسيا واجتماعيا).

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock