آخر الأخبار حياتناحياتنا

“أرواح صغيرة”.. اللجوء في عيون الأطفال

دينا ناصر: أردت صنع فيلم يمثل ضحايا الحرب في كل مكان

إسراء الردايدة

عمان- أن ترى الحرب في عيون الأطفال ليس بالأمر السهل، خاصة وهم يتحدثون عن آلامهم، وفي الوقت ذاته تشعر بحنينهم وتوقهم لملجأ آمن، أطفال وجدوا أنفسهم في محيط مختلف فجأة، نتيجة حرب شردتهم وجعلتهم لاجئين في أرض جيدة.
قصص تروى من أفواه الأطفال لا تخلو من الأمل والألم معا، التقطتها المخرجة الأردنية الفلسطينية دينا ناصر في فيلمها “أرواح صغيرة”.
ناصر التي قدمت أول شريط وثائقي طويل لها في أول عرض له في عمان ضمن فعاليات مهرجان الفيلم الفرنسي العربي، تقرب المشاهد من حياة عالم الأطفال في مخيم الزعتري للاجئين السوريين، وهم يكافحون في اختبار عواطفهم الخاصة التي وقفت بثقة أمام الكاميرا التي حملتها المخرجة في رحلة إنسانية وجدت طريقها للشاشة.
محور الفيلم
في “أرواح صغيرة” تتبع ناصر على مدى أربع سنوات ما مرت به، “مروة” ابنة التسعة أعوام وأفراد عائلتها الذين هربوا من سورية للأردن، ظنوا أنهم سيقضون فترة قصيرة في المخيم، لكن الوقت يطول على مروة وأشقائها؛ إذ يصبحون أصدقاء للكاميرا وهم يكبرون، ويتكيفون مع عالمهم الجديد حتى تدخل الصغيرة مرحلة عمرية جديدة، وهي سن المراهقة فتتغير شيئا فشيئا، ويواجهون معا صداما يهدد مصيرهم.
ولد الفيلم، بحسب تصريحات ناصر لـ”الغد”، من خلال فضولها لفهم ما حصل للاجئين في سورية، ومحاولة لتجميع مساعدات من أجلهم والاستماع لقصصهم، لقناعتها بدورها وواجبها في إيجاد حل لتسهيل ظروفهم المعيشية الجيدة، ومن خلال مقابلات مع الأطفال على مدار بضعة أيام، وتصوير مقاطع أخذت بالصدفة مع مروة وعائلتها، وهي التي جذبتها بحيويتها، ونشأت بينهما صداقة تحولت لفيلم.
“لاجئ” كلمة تقلل من قيمة الإنسان، وفقا لناصر، خاصة أنها تضعه في إطار وقالب يقلل من حقوقه، ويمكن لأي شخص أن يكون بمكانهم، وسعيا لالتقاط معاناتهم والتحولات الجذرية التي مروا بها وضعتهم في هذه الظروف بدون إرادة، بل وجلعتهم ضحايا الحروب.
وتعاملت مع المخيم على أنه طفل، فالمكان تحول من صحراء لمدينة على غرار نمو مروة وأشقائها خلال الفترة الزمنية التي صورت بها فيلمها، فهي أرادت فيلما يناسب الأمان وليس سورية فحسب، فالعالم يمر بأزمات كبيرة وصراعات تنتشر في أرجائه؛ إذ يتشاركون التجربة نفسها.
في الفيلم تظهر مروة وشقيقاها آية ومحمود، بوجوه باسمة، أقوياء كأقرانهم في أي مكان، لكنهم هنا محاصرون بين خيم بلاسيتيكية وسط ظروف معيشية صعبة خصوصا أيام الشتاء القارس، لكنه ليس بفيلم يستعطف المشاهد بل يفيض بالأمل لقوة هؤلاء الأطفال وطاقاتهم التي ظهرت بتفهمهم ونضوجهم مع ما يعايشونه.
فتظهر العزيمة والشجاعة من خلال حركتهم المستمرة أمام الكاميرا التي باتت رفيقا لهم، وهم يتحدثون عما حصل لهم ببراءة وعفوية، بعيدا عن أسلوب الاستجواب الذي يكون عادة في مثل هذا النوع من الأفلام الوثائقية، ليغدو أشبه بسيرة ذاتية لمروة وعائلاتها، كما أنه يلتقط قصص من حولهم بتفاصيل حياتهم اليومية ومحاولاتهم للبدء من جديد.
رحلة شخصية
الفيلم يرتبط بصلة وثيقة مع مخرجته التي عاش والدها وتربى في مخيم للاجئين الفلسطينيين؛ حيث اضطر للفرار من وطنه، وهو ما دفعها لتكون الراوي في خلفية فيلمها ومشاهده، لأن وجودها قوي، ولم ترد أن يروي أحد ما عاشته وشاهدته دونها، خاصة مرحلة تطور ونمو هؤلاء الأطفال؛ إذ طغى الجانب الإنساني والعمق والرحمة في هذا الفيلم، وفقا لتفهم مشاعر الأطفال.
فنهج ناصر لتوثيق قصتها اقتصر على عدد قليل من الأسئلة في المقابلات الرسمية للأطفال، ما خلق علاقة دافئة وعميقة بينها وبينهم، فكانوا يتحركون بسهولة ويرقصون ويلعبون، وفي أصعب اللحظات التي لم تخل من الصدمة، لم يخفوا خوفهم والرعب الذي عاشوه.
جنة بعين الأطفال
الحيوية خلقت انطباعا قويا في “أرواح صغيرة”، فهي مليئة بالإثارة التي ارتسمت على وجوه الأطفال، خاصة من خلال اللقطات القريبة، وهم يتحدثون بشكل عرضي عن تجربتهم، بدءا من الوفيات ووصولا للحظة احتراق منزلهم في سورية.
ويصفون مخيم اللاجئين بأنه “جنة”، على الرغم مما يعيشونه في خيم ضيقة وعائلة كبيرة، يتوجب عليهم حمل الطعام والماء عبر طريق طويل موحل.
وهؤلاء الأطفال لا يسعهم الا أن يكونوا على طبيعتهم، مبتهجين وغير متذمرين، لتبني ناصر فيما يظهر الوجه الإنساني لتجربة اللجوء ونكساتهم وانتصاراتهم الصغيرة، على الرغم من واقعهم المرير وافتقارهم لوسائل الراحة الأساسية التي يعتبرها المشاهد أمرا مفروغا منه، وهي مياه جارية وغذاء ميسور التكلفة.
أن تصنع فيلما
أرادت ناصر من فيلمها فهم التجربة التي يمر بها اللاجئون، وكتجربة عالمية، تختلف عن تلك الأفلام التي صورت تجاربهم من جانب صعب وحزين، مبتعدة عن أي تعليق سياسي، وإشارة للحرب بطريقة مباشرة وأطرافها المعروفة، فخاصت التجربة من خلال شهادات من أفراد عاديين أكثر براءة.
ونقل هذه الصورة كان مقصودا كي لا تثير استعطافا وشفقة، خاصة أن شخصياتهم تتسم بالقوة، لتترك للمشاهد مساحة كافية لخلق المشاعر التي يتلقاها من هذا العمل، منحية أي رؤية شخصية من جانبها، واستثنت مشاهد الألم، وحتى الموسيقى التي تعكس مشاعر الشخصيات الحقيقية وتنقلها.
ويعد هذا العرض الرابع لـ”أرواح صغيرة” عالميا، بعد مشاركته في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية، مهرجان دوكس برشلونة الدولي للأفلام، ومهرجان شيفيلد للأفلام الوثائقية، ولناصر أفلام قصيرة عديدة هي “شامية” 2011، الذي قدم حياة فلسطينية تشيخ في مخيم اللاجئين في زيزيا، و”دقيقة واحدة” عن حياة امرأة تعيش في غزة أثناء هجمات 2014 لقوات الاحتلال الصهيوني.
في “أرواح صغيرة” مساحة لفهم الأطفال ومعاناتهم بشكل أكبر من خلال استجابة عاطفية حقيقية عبر قصة إنسانية مؤثرة لحياتهم التي تحولت لـ”سجن مفتوح”، وأن لا تخلو من التفاؤل والأمل بمستقبل أفضل ذات يوم ربما.

المخرجة دينا ناصر- (الغد)
ملصق الفيلم- (الغد)

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock