أفكار ومواقف

أزمة أميركا والعالم

في زحمة الثورات العربية، أصبحت الأزمة التي شهدتها الرأسمالية في أيلول (سبتمبر) 2008، والتي جرى اعتبار أنها أزمة مالية رغم كونها أزمة نمط، أصبحت “من الماضي”، أي لم تعد تُذكر على الإطلاق، رغم أن الثورات العربية مرتبطة بهذه الأزمة أوثق ارتباط، وربما كانت هي السبب في تعجيل انفجار الثورات وشمولها.
وإذا كانت الأزمة تعبّرعن مشكلة النمط الرأسمالي في لحظته الراهنة، حيث بات المال هو الذي يسيطر على الرأسمال، فإنها فتحت على نهب سريع من جهة، وارتفاع في أسعار المواد الغذائية نتيجة المضاربات من جهة أخرى. وهو الأمر الذي وسّع حالة الإفقار التي كانت قد بدأت في التوسع منذ ثلاثة عقود، أي بعد “سياسة التكييف الهيكلي” كما أسميت، أو سياسة الخصخصة كما هو معروف.
لكن لا بد من ملاحظة أن الأزمة أوهنت الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، وفرضت تصارعاً على البقاء فيما بينها، وخوفاً كبيراً من “التمدد” الصيني والروسي. وبالتالي، أوجدت ضعفاً في السيطرة الرأسمالية، وارتباكاً في التعامل فيما بينها ومع “القوى الجديدة”، كما مع الأطراف، بحيث لم يعد هناك مركز عالمي قوي يسيطر ويفرض منطقه كما كانت تفعل الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالضعف الاقتصادي الأميركي خصوصاً، والأوروبي الياباني كذلك، جعل حتى القوة العسكرية أضعف من حيث المقدرة على السيطرة، كما جعل التنافس فيما بين كل هذه القوى يفرض منطقاً جديداً.
ورغم السعي الأميركي والأوروبي للسيطرة والاحتلال أو التدخل العسكري، فقد أفضى الوهن إلى ضعف المقدرة على تحقيق الأهداف.
في هذه الحالة، حيث لا مركز مسيطرا بل مراكز تتصارع، وكل منها يعاني من وهن عميق، يصبح تفجّر الأطراف ممكناً، وتكون إمكانيات انتصار الثورات كبيرة. لقد نُهبت الأطراف الى حدّ الإملاق، وأُفقرت الشعوب إلى حدّ المجاعة، وتعفّنت المراكز نتيجة فيض المال الذي لم يعد يجد موقعاً في الإنتاج والخدمات والتجارة فهرب إلى المضاربة بأشكال قديمة وجديدة ومستجدة. وهو بذلك يضخّم المال ويقزّم الإنتاج، وبالتالي ينهي فائض القيمة، ليصبح تضخّم المال هواءً قابلاً للتفجر كفقاعات. ومن ثم فقدان الأموال لقطاعات وتمركز أعلى لها لدى قطاعات أخرى.
بمعنى أن الوضع العالمي لم يعد ممسوكاً كما كان منذ بعض العقود، ولا حتى منذ بعض السنوات، وأن كل مركز إمبريالي يعاني من أزمة اقتصادية عميقة تهدد موقعه. وكذلك أن ذلك يقود الى تصارع وتنافس أقسى من أجل البقاء، وربما السيطرة على المركز الأول. أميركا تقاتل دفاعاً عن موقعها المهيمن، لكنها ضعيفة الى حدّ العجز عن ذلك. وأوروبا حاولت أن تحلّ محلها لكن وجدناها غارقة في أزمات لا تسمح لها بذلك. والصين تتقدم بالمعنى الإمبريالي من حيث التجارة، أي من حيث غزوها كل أسواق العالم نتيجة “رخص سلعها”. وروسيا تحاول أن تتوسع وأن تفرض ذاتها قوة مسيطرة. كل ذلك عدا عن طموحات بعض البلدان للانتقال الى “الصف الأول”، مثل الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وتركيا.
في الوقت ذاته يفرض هذا التنافس نهباً أوسع للأطراف، و”هبشاً” لكل ثرواتها وبناها التحتية وكل ما يمكن أن ينهب. فقد عادت الإمبريالية لكي تمارس النهب ليس لتحقيق التراكم الأولي كما أشار ماركس، بل من أجل الحفاظ على الربح الأعلى. وهو الأمر الذي بات يدفع الأطراف إلى الثورة.
العالم لم يعد مستقراً، وهو يعاني من أزمات عميقة ومن تنافس وتصارع، وهذه “الفوضى العالمية” تسمح بتمرد الأطراف. أكثر من ذلك يُفرض تمرد الأطراف، برغم كل جبروت القوة العسكرية الإمبريالية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock