تحليل إقتصادي

أزمة أوروبا المقبلة

ابراهيم شكري دبدوب*
عمان – كان العام 2010 عاما حرجا بالنسبة لدول منطقة اليورو، فأزمة الديون السيادية أثقلت كاهل العديد من الدول ولبدت أجواء أوروبا، وفيما استأثرت التحليلات والتكهنات بمعظم مشاريع الحلول اللازمة الاوروبية خلال العام 2010، بيد أن العام الحالي هو عام اتخاذ القرارات والشروع في تنفيذها.
قد يكون من أهم الدروس المستقاة مما شهدته السنوات الثلاث الماضية أن الازمات لا تأتي من عدم، بل هي انهيار لممارسات وتوجهات استمرت أعواما، واذا أردنا أن نحلل أزمة المديونيات السيادية الاوروبية، علينا أن نقر بداية أن العديد من حكومات دول اليورو تمادت في إصدار السندات السيادية منذ العام1999، حين كان الاقتصاد يشهد فورة ووافرا من السيولة، جمعت الدول الاوروبية خلال سنوات أموالا ضخمة لتمويل سياساتها الاقتصادية والاجتماعية، واليوم حان وقت السداد.
وبينما كانت هذه الدول تجد سهولة في إعادة تمويل إصداراتها من السندات وتمديد آجالها بتكلفة منخفضة في السابق، فقد غيرت الأزمة المالية العالمية بعد 15/9/2008 من قواعد اللعبة، وما كان سهلا وسلسا في الماضي، بات اليوم أشبه بطموح لا يمكن تحقيقه من دون خطة إنقاذ مالي يتبناها الاتحاد الاوروبي.
واذا نظرنا الى خريطة أوروبا المالية تبدو أربع دول أكثر حاجة من غيرها إلى خطة إنقاذ مالي سريع وهي البرتغال وبلجيكا واسبانيا والنمسا، إذ أن العام 2011 بالنسبة لهذه الدول هو عام الاستحقاقات، وخلال الأشهر القليلة المقبلة، سوف تضطر كل من بلجيكا والبرتغال، على وجه خاص، الى سداد مبالغ كبيرة جدا، فالبرتغال ستضطر إلى توفير أموال تعادل 2.9 % من ناتجها الاجمالي بحلول 15  حزيران (يونيو)  المقبل.
وبالتأكيد، فإن هذه المديونية الضخمة قد تكون كفيلة بوضع البرتغال تحت وطأة الوصاية القانونية الخارجية في حالة توقف المستثمرون عن دعم مديونيتها، والوضع ليس مختلفا بالنسبة لبلجيكا التي تواجه المأزق نفسه والتي ستضطر خلال الفترة الممتدة حتى 14 نيسان (ابريل) الحالي الى الوفاء بعدد من الاستحقاق وسداد مبالغ توازي 5.3 % من ناتجها المحلي الاجمالي.
وفي المحصلة، يتعين على البرتغال توفير 17.9بليون يورو بينما يتعين على بلجيكا توفير 44 بليون يورو لسداد أعباء مديونياتهما التي تستحق خلال الشهور التالية المقبلة بل أكثر من ذلك، وفي حال استمرت الضغوط على الدولتين خلال الفترة المتبقية من العام 2011، فإنهما ستواجهان أزمة مديونية أكثر وطأة العام المقبل.
والامر لا يقتصر على هاتين الدولتين فحسب، بل يمتد الى كافة دول الاتحاد الاوروبي التي تواجه أزمات مالية، وفيما يبدو للوهلة الاولى أن فرنسا واسبانيا في منأى عن هذه الازمة، إلا أنهما في الواقع تواجهان ذات السيناريو عندما تحل تواريخ استحقاق مديونياتهما.
وقد يرى البعض أن ايطاليا قد تكون، بصورة أو بأخرى في وضع أسوأ من بلجيكا والبرتغال، ولكني لا أرى أن ايطاليا ستكون بحاجة الى خطة انقاذ مالي في العام 2011، صحيح أن إيطاليا ترزح تحت وطأة ديون تزيد عن أي دولة أوروبية أخرى إلا أن الاقتصاد الايطالي أحد الاقتصادات الزاخرة بمئات البلايين من اليورو، يدعمه في ذلك قطاع تصدير نموذجي يعتمد على التنوع والتطور، فضلا عن قطاعها المصرفي الذي يعد من بين الاكبر في العالم، ثم لا ننسى أن روما لديها الخبرة في تحمل وادارة أعباء الديون الضخمة وتقوم كل مرة بتطوير حلول وأدوات مبتكرة لإدارة ديونها.
ونتيجة لذلك، لا يشعر الدائنون بالقلق تجاه ايطاليا وعدم قدرتها على تحمل أعباء ديونها بالقدر الذي يعبرون فيه عن قلقهم الكبير بالنسبة لمديونية البرتغال التي تنمو بصورة متزايدة.
ومن غير المحتمل أن تتزايد الهواجس حول ايطاليا، إلا اذا اضطرت احدى الاقتصادات الصغيرة في غرف أوروبا مثل البرتغال، الى الدخول تحت وطأة الحراسة القضائية المالية، واذا حدث ذلك، فإن الدائنين سوف يفاجأون بأن الاقتصادات الكبيرة غرب أوروبا هي أسوأ من الاقتصادات الصغيرة مثل البرتغال وايرلندا واليونان، وربما تدخل النمسا ضمن هذه المجموعة وتكون موضع قلق واهتمام متزايدين.
وفي ظل هذه المستحقات الملحة، بات من الضروري العمل سريعا على مواجهتها، فقد قام البنك المركزي الاوروبي مرارا بتقديم بعض الدعم والمساندة غير المباشرة لدول الاتحاد من خلال شراء بعض الديون السيادية على حكوماتها، وهو ما ساعدها على تحقيق قدر من الانتعاش في اقتصاداتها، ورفع من ثقة المستثمرين، لا شك، سيستمر المركزي الاوروبي في سياسته هذه خلال الفترة المقبلة.
لذلك علينا القول أن أموال خطة الانقاذ المالي في أوروبا جاهزة، إلا أن توفر الاموال قد يكون غير كاف لتجنيب دول من الدخول تحت وصايات مالية مكلفة، لكن وجود برنامج الاستقرار المالي الاوروبي من شأنه أن يخلق مظلة أمان تساهم في بث نوع من الطمأنينة وعودة الثقة الى الاقتصادات الاوروبية، الصغيرة منها والكبيرة.

*الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك الكويت الوطني

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock