أفكار ومواقف

أزمة الأسعار والمجتمع المدني

التطور الطبيعي للإصلاحات الانتقائية، كما هي الحال في بعض الجوانب الاقتصادية، يكرس انتهازية السوق، ويعيد إنتاج تركيز الثروات في واحدة من أقسى صورها؛ بما يتناقض حتى مع تقاليد دورة حياة الرأسمالية، ولا تؤسس هذه الحالة للحدود الدنيا من التنمية العادلة والمتوازنة. فالإصلاح مسار متكامل لا يجدي فيه الترقيع مهما تحدثنا عن ادوار اجتماعية لاحقة للدولة.


أمامنا مثال مكتمل النضوج على ما  تفعله الانتقائية الإصلاحية؛ كيف تعمل الإصلاحات الاقتصادية الانتقائية في تحرير الأسواق والتجارة؛ من دون إصلاحات سياسية ومؤسسية ومجتمعية حقيقية على خلق حالة من فقدان الوزن في الحياة العامة؛ بينما تتآكل الطبقات الاجتماعية وتتحلل أشكال حياة الكفاف التقليدية نحو الزوال والعدم، تحت وقع سياط ارتفاع الأسعار مع عجز مجتمعي يضرب عبر طول البلاد وعرضها دون توفير القدرة على الحد الأدنى من الردع المجتمعي أمام انتهازية السوق التي تستغل الارتفاع في مصادر الطاقة أو الأعلاف أو المواد الأولية بنسبة قد تصل الى أحيانا الى 10% مقابل ارتفاع الأسعار في السلع والخدمات بمعدلات تصل ما بين 40%الى 50% أحيانا.


حينما انسحبت الدولة اكتفت بترك كامل المجال العام لقوى السوق وأدواته للتحكم بمصادر استمرار الحياة من سلع وخدمات، ولم يصاحب ذلك تمكين المجتمع من امتلاك أي أدوات حقيقية لردع شهوة السوق للمزيد من النفعية وانتهاز الفرص، وهذا قانون السوق الذي لم نكتشفه نحن.


ما يحدث في الإصلاحات الانتقائية عادة ان يترك المجتمع وحيدا ومكشوفا لمصيره. وفي الحالة الأردنية نلاحظ حجم الخسارة وغياب المصلحة الوطنية في غياب مجتمع مدني قوي من مؤسسات وجمعيات وروابط أهلية عامة ونوعية قوية تشكل أدوات ردع مجتمعي مسلحة بقوة القانون، تقف في خط موازٍ في مواجهة لعبة السوق، نلاحظ حجم الخسارة وغياب المصلحة الوطنية حينما لم نوطن حريات إعلامية حقيقية ومسؤولة عن مجتمعها تمارس الرقابة الحقيقية وتملك قوة ضمير المجتمع، نلاحظ حجم الخسارة الوطنية في نماذج الإصلاحات الترقيعية حينما لم نمكن المجتمع حتى من أدوات المعرفة الحقيقية لما يحدث هنا وهناك.


في مثال موجات ارتفاع الأسعار التي تقفز على شكل متوالية مضاعفة لما يحدث عالميا أو ما يجب ان يحدث موضوعيا يبرز انكشاف ضعف المجتمع المدني المحلي وعجزه، حيث تتحمل مؤسسات الدولة وسلطاتها مسؤولية هذا الضعف. فهذه السلطات كما هي صاحبة القرارات الانتقائية في الإصلاح هي أيضا المسؤولة عن قرارات أخرى لم تتخذ لخلق التوازن في الحياة العامة وفي الأساس وقبل أي شيء حماية حقوق المواطن الأساسية.


مطحنة الأسعار تدور بقوة وتختلف التفاسير في البحث عن الجهة التي تتحمل المسؤولية، ولا يبحث احد عن حل حقيقي، بينما رفعت السلطات الرسمية كل أشكال الضوابط على تجارة التجزئة والجملة مع غياب مخجل ليس للجهات الرسمية وحدها، بل لمؤسسات المجتمع المدني، بما في ذلك المؤسسات المعنية بحماية المستهلك وحماية حقوق المواطن، وأولا وأخيرا الأحزاب؛ أليس قوت المواطنين هو صلب السياسة وجوهرها؟


 


لا نجد أي صيغ حقيقية فاعلة لتنظيمات ومؤسسات مدنية تدافع عن حقوق المستهلك، والصيغ الموجودة ضعيفة، لا حضور حقيقيا لها ولا نريد ان نظلمها أكثر من ذلك، وبينما تغيب قدرة المجتمع المدني على التعبير عن مصالح القواعد الشعبية العريضة وأبسطها حماية حقوق المستهلكين وتعريفهم بحقيقة ثقوب جيوبهم، وتعريفهم بحقهم في المقاطعة وبمنظومة واسعة من الأساليب والأدوات التي طورتها المجتمعات الرأسمالية في مواجهة حمى السوق.


تغيب أيضا القدرة على بناء تحالفات المصالح بين المؤسسات المدنية، لا توجد قدرات واضحة على خلق آليات ضغط توازي نفوذ آليات الضغط التي يملكها السوق أو تقترب منها، أو على اقل تقدير آليات تملك القدرة الحقيقية على التأثير في الرأي العام وتنبهه لمصالحه الأساسية وتسهم في بناء أجندة الشارع مقابل أجندة السوق.


الدولة القوية تحتاج الى مجتمع مدني قوي يملك القوة والإرادة على حماية الناس وبأيدي الناس، مجتمع مدني قوي له أنياب وأسنان يقدر ويملك المعرفة والقدرة على قيادة المجتمع وان يقول لا نريد أن نأكل الدجاج الذي يرتفع أربعة أضعاف القيمة الحقيقية المفترضة خلال أسبوع واحد لمدة شهر فقط.


نريد ان نكتشف حقيقة ان قوة المجتمع المدني هي جزء من قوة الدولة.


[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مواجهة حمى السوق
    ان السوق المحموم بارتفاع الاسعار ويلهب جيب المواطن بالدفع اكثر كل يوم ظاهرة باتت هي الاكثر سيطرة على المستهلك فهو بين نارين نار ارتفاع الاسعار فوق طاقتة المادية والاخرى حاجته لبعض السلع الضروية التي يستخدمها بشكل متكرر ولذا برأي لا بد من ان يكون المواطن الاردني اكثر وعياً بدلاً من تحكم السوق فيه هو يتحكم بالسوق بالمقاطعة ولو كان هناك مجتمع مدني قوي لتمكن من قيادة مقاطعة للبضائع بقطاع واسع من الناس كما يحدث بمصر ذات 80 مليون مواطن اغلبهم يقاطع اي سلعة عندما تبادر مؤسسات او هيئات المجتمع بالدعوة للمقاطعة اشكرك على هذا المقال

  2. اول مقال يعجبني في جريدة الغد.
    الاستاذ باسم
    شكر على هذا الكلام الذي يتناغم مع اوجاع المواطن الاردني.
    ولكن…………….

  3. المواطن لا حيله له
    يا سيدي الفاضل انا مع تعليق الاخ في التعليق الاول الذي لم يذكر اسمه اجمل ما قرأت ليس بالغد ولكن بالصحف جميعها ولكون هذه نافذه نشكر الغد عليها لاعطاء حرية التعليق على المقالات ويعجبني اسلوبك السلس حتى هذا الموضوع مهم جداً الان لنبحث عن حل يريح المواطن والدولة دون ان يميل طرف على الآخر وشكراً

  4. االمرض يقود لمرض (حمزه غرايبه –
    االمرض يقود لمرض (حمزه غرايبه – الإمارات)
    [email protected]
    (05/12/2007 04:56:10 AM)
    كما السكري يقود للفشل الكلوي ،و انفصال شبكية العين و ظواهر مرضية أخرى يعرفها الأطباء ، فإن عدم استفزاز القوى الحية في المجتمع للوقوف امام تغول الحكومات على مؤسسات المجتمع المدني ، و عندما لا تكون هذه الحكومات انعكاس حقيقي لإرادة شعوبها ، فإن ظهور اصناف الأمراض العديدة و الخطيره ، سوف تستمر في الظهور تترى من الخطير الى الأخطر. ان ايجاد جو طبيعي صحي و حر ، يمكن القوي الحية من الظهور و العمل بحرية و بحماس لهو الضمانة الأقوى و الأجدر للوقوق امام الظواهر السلبية، و مراكمة الأعمال الإيجابية ، و لدينا مخزون من الثقافة والقيم وعاؤهاالدين ، كفيلة بأن تكون رافعة حضارية ، و محصنة من امراض الوهن و التخلف ، لو أحسن فهمها و استغلالها بعقول منفتحة واعية تركز على المقاصدالعامة للدين .
    و اشكر الأستاذ الكاتب في استمرار رصده للظواهر السلبية ، فإن التشخيص الجيد لهو بداية العلاج .

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock