اقتصادتحليل إقتصادي

أزمة العدالة… الرواتب نموذجا

محمـد البشيــر

أدت السياسات المالية التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة إلى انكماش اقتصادي كبير كان من أبرز تجلياته التضخم بأعلى معدلاته.
وأثر ذلك على القوة الشرائية للمواطنين عموما بعد أن تعاظمت النفقات العامة كأداة من أدوات السياسة المالية، بسبب ارتفاع رواتب البعض في الدوائر الحكومية ومضاعفاتها في الوحدات المستقلة.
وأصبحت الكثير من المشاريع الحكومية أكثر عبئا على الموازنة وأصبح الهدر في نفقات أخرى سمة من سمات الإدارة الحكومية بشكل عام.
وترافق ذلك مع الترهل الذي أصابها مما انعكس على خدمات اقل وبطالة مقنعة أكثر، كل ذلك فرض ذاته على القطاع الخاص الخزان الحقيقي لواردات الحكومة التي تشكل الضرائب ما يزيد على (72 %) منها مما أدى إلى ارتفاع كلف السلع والخدمات مع ثبات الدخول وهذا بدوره أدى إلى ارتفاع معدل التضخم وإلى مزيد من المعاناة لمختلف القطاعات وخاصة الموظفين العموميين.
في ظل اعتداء صارخ على الوظيفة العامة من ناحية رواتب العاملين في الوحدات المستقلة التي أصبح العاملون لديها يتمتعون برواتب تزيد بأضعاف عن رواتب موظفي الوحدات الحكومية بالإضافة إلى شيوع “موضة” العقود التي هبطت على موظفي الوحدات الحكومية غير المستقلة لمصلحة ابناء الذوات تفاقمت ازمة الثقة بالدولة ومؤسساتها.
لقد تعرض الأردن خلال العقود الثلاثة الماضية إلى إدارة سياسية / اقتصادية مؤمنة بالنهج الذي اعتمدته تاتشر في نهاية السبعينيات من القرن الماضي ونيكسون في بداية الثمانينيات والقائم على كف يد الحكومة في التدخل في شؤون الاقتصاد وترك اليد الخفية في ادارته بتعظيم دور القطاع الخاص في إدارة الشأن الاقتصادي مع تخلي الحكومة عن ملكيتها في المشاريع الاستثمارية الإنتاجية الكبرى.
وتحقيقا لذلك تم تعديل التشريعات خاصة منها ما يتعلق بالوظيفة العامة والإدارة الحكومية عبر الوحدات المستقلة أو من خلال التشريعات الضريبية التي احلت الضريبة غير المباشرة (المبيعات) كمورد رئيسي للخزينة وتقليص حصة الضريبة المباشرة (الدخل) من واردات الخزينة خدمة للاغنياء من أشخاص طبيعيين أو معنويين.
وتنفيذا لما ورد في برنامج التصحيح الاقتصادي الموقع مع صندوق النقد الدولي للسنوات (1994 – 1996) حيث كانت أبرز النقاط على جدول أعماله اصدار قانون الضريبة العامة على المبيعات، ترافق ذلك على الصعيد السياسي باقرار قانون الصوت الواحد الذي جرت بموجبه انتخابات 1993 التي افرزت مجلسا للنواب أقر قوانين الحزمة الاقتصادية المتوافقة مع هذا النهج وتوّج ذلك باقرار اتفاقية وادي عربة التي ساهمت مع الأسباب التي تم ذكرها إلى ايصالنا الى هذا الواقع الذي تنزف فيه ملفاته السياسية، الاقتصادية والاجتماعية.
تماشيا مع ما سبق تم العبث بالوظيفة العامة وتم اقرار قانون الخصخصة وقوانين الوحدات المستقلة وانظمتها ترافق ذلك مع فتح دوائر الدولة المختلفة للمؤسسات الأميركية والأوروبية تحت عنوان تطوير الوزارات الخدمية كالتعليم، الصحة، النقل، المياه والكهرباء حيث نتج عن ذلك رفع الرسوم والكلف والأسعار المتعلقة بهذه الخدمات وهذه السلع حيث قامت هذه المؤسسة بالاستعانة ببعض المهنيين الأردنيين المؤمنين بالنهج سالف الذكر مؤسسين لطبقة من المنتفعين، الذين لهم مصلحة مع نشاط هذه المؤسسات والتي وجدت ان التعاون واستمرارية العلاقة مع الغرب على وجه العموم والولايات المتحدة الأميركية الأكثر دعما للأردن على وجه الخصوص وسيلتنا للنهوض!؟
في نهاية العام 2010 بادر ديوان الخدمة المدنية برئاسة مازن الساكت وبمساعدة الأمين العام للديوان سامح الناصر إلى مواجهة هذه التحديات المتمثلة بالاعتداء على الوظيفة العامة وواقع الوحدات المستقلة وبعد دراسة عميقة وافقية توصلت هذه المحاولة إلى معالجات مهمة للثغرة التي يعاني منها موظفو الخدمة المدنية والوحدات المستقلة من خلال تقليص الفروقات بين رواتب وامتيازات هؤلاء والحاق الوحدات المستقلة للوزارات المعنية أو بتقليص الرواتب فيها وبما يتفق مع نظام الخدمة المدنية.
إلا أن الجهات المتضررة من هذه المحاولة وقفت أمام هذا المشروع الذي عرف (بالهيكلة) هيكلة الرواتب في الوحدات الحكومية والوحدات المستقلة الذي كان هدفه الرئيسي توحيد نسب العلاوات بين المهنيين وجعل الفروقات ما بينها مرتبط بالأداء والانتاج والخدمة والندرة وغيرها من المعايير والهدف كان دائما العدالة مع الدعوة لإعادة الوحدات التي انتجتها حقبة ما بعد التسعينيات الى الوزارات ذات العلاقة.
نعم… اجهض هذا المشروع وكلف الموازنة مبالغ طائلة وصلت الى (400) مليون دينار سنوياً بعد أن أعلن ديوان الخدمة المدنية ان كلفتها لا تزيد على (79) مليون دينار ومن الجدير ذكره ان بعض النقابات لعبت دوراً رئيسياً في تعطيله بعد ان اصّرت على نسب علاوة تعتقد انها من حقها لاهمية الدور والتنظيم الذي تقوم به على صعيد المجتمع والدولة على حد سواء وانسجاماً مع شيوع مظاهر تحقيق المصالح الخاصة التي سيطرت على سلوك الكثير من التنظيمات الاجتماعية والمهنية المختلفة .
إن قضية الاصلاح التي ننشد تحتاج الى روافع وادوات تنظيمية قادرة على التأثير على القرار, خاصة قرار انتخاب ممثلي الشعب اللذين هم من يعطي الشرعية للقوانين التي تهدد العدالة وتنتصر لطبقة على حساب طبقة اخرى وتعيق من ايجاد مجتمع الإنتاج، التكافل وسيادة القانون.

الوسوم

مقالات ذات صلة

السوق مغلق المؤشر 1809.60 0.02%

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock