قضايا

أزمة العرب ومعنى التخلف (19)

أ. د. كامل صالح أبو جابر*

كان أحد أهم أسباب استقواء الدولة على المجتمع، واستبدادها عبر تاريخنا الحافل، هو حاجتها الحقيقية أحيانا إلى حشد الجماهير وتعبئتها، بغرض الدفاع عن تخومها في مواجهة الضغط المستمر الذي كان يشتد في فترات، من قبل العالم الغربي.
هنا لا بد من الإشارة إلى أن أحد الأسئلة التي تطرق إليها علماء الاجتماع والسياسة والتاريخ، يتعلق بالمفاضلة ما بين الحرية والعدالة من جهة، والاستقرار من جهة أخرى. والدولة -اليوم كما أي دولة في التاريخ- تميل دوما إلى رفع قيمة الاستقرار على أي قيمة أخرى، لتؤكد على قول: لا حرية ولا عدالة، لا بل لا وجود لمجتمع إنساني حقيقي، من دون الاستقرار. فكانت هذه دائما حجة الدولة، عبر تاريخنا، في تبريرها لضرورة الاستفراد بعملية صنع القرار، وحصرها بشخص الحاكم وحده، حتى وصل الأمر إلى مطالبة بعض علمائنا ومثقفينا أحيانا بـ”المستبد العادل”، على الرغم من التناقض المبدئي والمنطقي ما بين العدل والاستبداد الواردين في العبارة نفسها.
اعتاد الناس سابقا على الطاعة؛ بدءا من العائلة حيث سيطرة الأب عليها، فالحَمولة أو القبيلة، أو الدولة فيما بعد. هذه الطاعة التي تقود، حسب الدكتور هشام شرابي في كتابه “مقدمات لدراسة المجتمع العربي” إلى “أن تحل روح الخضوع محل روح الاقتحام، وروح المكر محل روح الشجاعة، وروح التراجع محل روح المبادرة…” (ص32 وص69). ويضيف الشرابي أن واقع العائله سلطوي “كنظام المجتمع في كل مؤسساته، نظام هرمي يقوم على السلطة والعنف، ويحتل الأب فيه المركز الرئيسي والأول” (ص95).
سبقت الإشارة إلى أن أولى القضايا الرئيسة التي تواجه مجتمعاتنا، هي حالة الحيرة والمخاض والمراوحة التي نعاني منها. أما المسألة الأخرى وطيدة الارتباط بالأولى، فهي بلا شك مسألة شرعية الدولة، وإلى ماذا تستند، وما هي مصادرها. وتزامن اشتداد رياح التغيير الغربية مع انهيار امبراطورية الخلافة العثمانية.
صحيح أن الحوار لم ينقطع أبدا بشأن شرعية الدولة في أدبياتنا، لكنه صحيح كذلك أن جل البحث في هذا الأمر كان يدور ضمن الإطار التقليدي، ومحوره مؤسسة الخلافة التي كان لها الرأي الأول، لا في الشؤون السياسية فحسب، بل والشرعية والعقدية كذلك. وما بين الضغط الخارجي المتواصل عبر القرون الماضية، وضرورات الأمن الداخلي، اشتدت قبضة الدولة، وتمركزت جميع السلطات بيد الحاكم.
علينا تذكر أن الانتقال من دولة جذورها ومصدر شرعيتها في العقيدة وطاعة القانون الإلهي، إلى دولة تحكمها القوانين الوضعية من صنع الإنسان، هو أمر ما يزال غير مكتمل، وفي حالة انتقال. وفي الفترة ما بين انهيار دولة الخلافة العثمانية وحتى قيام ما سُمي “الربيع العربي”، كان من أهم المشاكل التي واجهت الدولة العربية الحديثة، اتهام غالبية المثقفين العرب لها بأنها “مصطنعة”؛ جاءت لخدمة أغراض دول الاستعمار، وضمن ذلك أن حدودها مصطنعة أيضا لا تعكس واقع الشعوب العربية، حتى وصل الأمر إلى تعريف “الوطني” بأنه ليس المنتمي إلى دولته الحديثة، بل المعارض لها والمجتهد في البحث عن السبل لتقويضها بهدف الوصول إلى حلم الوحدة العربية.
لدي إحساس، لا أدري ما إذا كان من الممكن إثباته، أن أحد أهم نتائج فوضى “الربيع العربي” هي أنها، ربما، فرضت على قطاعات واسعة من جماهيرنا إعادة النظر في توجهاتها السابقة نحو الدولة، وبالذات أن هذه الفوضى، وبمساعدة من الصهيونية العالمية، قد قادت إلى المزيد من شرذمة وتفتيت الدول العربية الحديثة، كما حدث في العراق، ويحدث في فلسطين وسورية وليبيا واليمن وغيرها. فمثل هذه الشرذمة عززت قيمة الانتماء إلى الدولة الحديثة، وأصبح مألوفا قيام العراقي أو السوري أو الأردني أو الفلسطيني بالتعبير عن الاعتزاز بهوية دولته، من دون أن يتهم، كما كانت الحال في السابق، بالإقليمية.
نسمع اليوم من يتحدث عن دستور دولته وضرورة الالتزام بنصوصه كأهم مصدر من مصادر الشرعية السياسية للدولة. وهنا لا بد من التأكيد على أننا ما نزال في فترة انتقال تاريخية، لم يحسم الأمر بشأنها بعد قطعا، ولكنها تؤشر نحو إمكانية قيام واقع جديد، يؤكد على ضرورة الحفاظ على الدولة الحديثة، وكذا شرعية الانتماء لها ولدستورها وقوانينها الوظيفية. لكن هذا الواقع الجديد ما يزال نفسه في حال الصيرورة؛ لم تكتمل معالمه بعد، لا في ذهن الفرد ولا في الوعي الاجتماعي.
والعائلة والحَمولة والقبيلة، وكذلك ربما حال جميع الملل والنحل اليوم، هي في طور الانتقال من كينونة إلى أخرى. إذ إن جميع مؤسسات المجتمع هذه انتقلت جسديا من القرى والأرياف والبوادي إلى المدينة. وحال الانتقال هذه قطعا ليست مجرد تغيير في عنوان السكن، بل نقلة كمية ونوعية في كنه الحياة ونسيجها ومضمونها الحضاري. ولعل من أهم سماتها أنها بدأت تفرز قيادات جديدة تقف إلى جانب وتنافس القيادات القديمة؛ بدءا من رأس الحَمولة أو شيخ القبيلة أو مختار الملة أو النحلة، إلى المعلم والمهندس والطبيب وأستاذ الجامعة، أو موظف كبير في مؤسسة خاصة أو إحدى مؤسسات الدولة ووزاراتها. كما بدأ يبرز الانتماء إلى العائلة النووية الصغيرة وأولوياتها، إلى جانب الانتماء إلى التجمع الأكبر ممثلا بالعشيرة أو القبيلة.
هكذا أصبح مفهوم الطاعة نفسه في موضع مساءلة، يعتمد بالدرجة الأولى على مقدار الخدمة الممكن أن يقدمها من تجب له الطاعة؛ أكان الدولة نفسها أم شيخ القبيلة التقليدي أم أحد أبنائها الذي تعلم وأصبح محاميا أو طبيبا أو موظفا كبيرا في مؤسسة ما. فلم تعد الطاعة تلقائية عمياء من دون مساءلة كما في السابق، بل لا بد من ثمن لها. مثل هذه الحال الجديدة، حصلت لمسألة شرعية الدولة مضمونا وشكلا جديدا، لا بد لها من التجاوب معهما.
ربما كان وصف الدكتور شرابي حول الطاعة صحيحا في مجتمع ساكن راكد، لم يدخله فيروس عدوى التغيير الذي اقتحم مجتمعاتنا؛ حيث أصبح التغيير مطلبا ذاتيا، وضرورة من ضرورات الحياة، ولم يعد مجرد استجابه لتحد أو دافع خارجي. والمطالبة بإرساء قواعد الشرعية، شرعية الدولة، لم تعد كما كانت الحال سابقا، رد فعل أو تقليد، بل أصبحت مطلبا أساسيا ذاتيا نابعا من داخل المجتمع نفسه.
لم تعد الشعوب العربية اليوم تقبل أن تكون شرعية الدولة مرتكزة ومركزة في شخص الحاكم، بل لا بد من أن ترتكز إلى دستور مدون، ومؤسسات لها صفة الديمومة. وحتى لو كانت صلاحيات هذه المؤسسات منقوصة أحيانا، لتصبح مجرد “ديكور” يخفي حقيقة استمرار أولوية الحاكم، فإن لها أهميتها؛ إذ تفرض على الحاكم ضرورة التظاهر بأهميتها، كمرحلة مهمة من مراحل التغيير التي لا بد أن تقود يوما ما إلى انتقال أو تشارك حقيقي للسلطة، وهنا تؤخذ القرارات بعد إعمال العقل والاحتكام إلى قواعد منطقية، ومن خلال مداولات ونقاشات علنية. ومثل هذه الحال تنطبق حتى على الدول العربية التي فشلت نظمها الحاكمة في التجاوب مع رغبات شعوبها، فآلت إلى ما آلت إليه من فوضى العنف والدمار التي هي حالها اليوم. وما حال العنف والدموية هذه إلا صنف آخر من أصناف البحث عن أسس شرعية جديدة، لولادة نظام سياسي اجتماعي جديد.

*وزير سابق

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock