أفكار ومواقف

أزمة تحتاج صبرنا جميعا

منظمة الصحة العالمية صنفت إجراءات الأردن في إدارة أزمة التعامل مع وباء كورونا بأنها من ضمن أفضل سبع دول اتخذت قرارات استباقية حاسمة للحيلولة دون انتشاره، هذا شيء يدعو للفخر والشعور بأن الفريق الذي يدير الأزمة على دراية تامة بكل ما يجب أن يفعله وعلينا جميعا منحه التفويض المطلق ليس فقط بالإشادة والثناء والأغاني والأهازيج، بل بالالتزام التام وعدم الإعاقة بمبررات واهية لا أكثر ولا أقل. المشكلة ليس في منظومة الإجراءات الصحية فالاستعدادات حتى الآن تبدو بأفضل صورها بل تتفوق من ناحية شروطها وقياسا على الإمكانيات على كبريات الأنظمة الصحية في العالم كما تؤكد لنا الصور التي تبثها وسائل الإعلام من الدول الموبوءة حيث تعجز دول كانت تفاخر بتقدمها الطبي وتلجأ لما يسمى طب الحروب، المشكلة هي في القدرة على إقناع الناس بالالتزام بقرار حظر التجول والبقاء في المنازل لمدة زمنية قد تطول بعض الوقت وتطبيق سلوك التباعد الاجتماعي حتى داخل المنزل الواحد لأن هذا مفتاح خروجنا من هذه الكارثة الوبائية؛ صحيح أن حجز حرية الإنسان وتقييد حركته هي واحدة من أقسى وأصعب الضغوط التي يمكن احتمالها ولكنها عندما تقاس بتلافي خطر أعظم تستحق التضحية والتنازل مؤقتا عنها لأننا نحمي أنفسنا أولا ومجتمعنا ثانيا حتى نعبر إلى بر الأمان بإذن الله.
المشكلة هي في كيفية ضمان توفير احتياجات الناس الأساسية في بيوتهم للمدة الكافية للوصول لتسجيل الحالة “صفر” وهو خيار لا بديل عنه بكل صراحة ووضوح وعلى الدولة أن لا تطرح غير هذا الخيار، ويقيني أنها اتخذت قرارات قاطعة بذلك لأنه بخلاف هذا نسلم أنفسنا بقرار مسبق ودون بوليصة تأمين للانتحار والانفجار الكبير لا قدر الله.
المشكلة هنا أنه ليس من السهل تأمين احتياجات عشرة ملايين مواطن وهم في بيوتهم وتلك بالتأكيد مهمة شاقة جدا وتحتاج كوادر وإمكانيات ضخمة، ومن المؤكد أن الحكومة تتعامل معها بجدية وشفافية مطلقة خاصة وأن الأمور لا تنتهي بتوفير السلع الغذائية والاحتياجات الطبية فقط بل أن يتم توفيرها بظروف طبية تحول دون انتقال الفيروس عبر تلك السلع أو من يقوم بنقلها وتوزيعها.
يتداول الناس والمختصون منهم مقترحات عديدة ربما تشكل أرضية مناسبة تبني عليها الحكومة والتي يبدو أنها تتجه لتشجيع الطلبات الأساسية عبر تطبيق خاص بالتعاون مع شركات التوصيل المنزلي أو تطبيقات المركبات وهذا أمر ممتاز قد ينجح في المدن الكبرى ولكن فرص نجاحه قليلة في الأطراف بالإضافة للكلفة المادية الإضافية في هذه الظروف الصعبة؛ لذلك ربما من المناسب وضع خيارات بديلة ومحاكاة تجارب اعتمدتها دول في مثل هكذا أزمات وهنا يبدو مهما التركيز على دور مؤسسات الحكم المحلي كأمانة عمان والبلديات والأندية ومراكز الشباب لتقوم بمهمة توزيع المواد الأساسية كالخبز والأرز والسكر والحليب من خلال تقسيم المدن لمناطق وأحياء ومربعات صغيرة وتوزيع هذه المواد وبيعها بالاعتماد على مخزون المؤسستين الاستهلاكيتين العسكرية والمدنية والمجمعات الكبرى لمرتين في الأسبوع وبنفس آلية توزيع الغاز المتبعة حاليا.
يقيني أن الفريق الذي يعمل على إيجاد حلول سيتمكن من إيجاد صيغة مناسبة وعملية وستكون مفعلة صباح الثلاثاء لكن المهم هو أن يشعر المواطنون جميعا بمسؤولياتهم وأن لا تتكرر الممارسات المؤسفة التي شاهدناها قبل يومين في محاولة إعاقة عمل رجال الأمن وخرق الحظر بعبثية تستوجب العقاب الصارم.
هي معركة بلدنا كما هي معركة العالم ومن يملك الإرادة والصبر على هذا الظرف الاستثنائي سيتمكن من عبور الأزمة التي غيرت وستغير كل شيء لكنها ستعزز وتعمق علاقتنا بهذه الأرض وبهذه الدولة التي تثبت أنها بحجم التحديات والمحن.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock