أفكار ومواقف

أزمة سد النهضة والدور الإسرائيلي!!

بينما كانت مصر تواجه أعنف موجة احتجاجات شعبية أطاحت بحكم الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، كانت أثيوبيا تستعد لإنشاء أكبر سد في إفريقيا على النيل الأزرق لتوليد الطاقة الكهربائية، بكلفة تقارب الخمسة مليارات دولار ويعتبر العاشر عالميا من ناحية الحجم يمتد على مساحة 20-40 كم مربع وتبلغ سعته التخزينية 74 مليار متر مكعب مياه وسيولد من الكهرباء ستة الآف ميغاوات ليجعل أثيوبيا أكبر بلد افريقي مصدر للطاقة، ومتوقع إنجازه بشكل نهائي ما بين العام 2020 والعام 2022.
خطورة هذا السد هي بالدرجة الأولى على مصر وهي بلد المصب الثاني بعد السودان، تعتمد مصر بشكل شبه كامل على مياه نهر النيل المهدد فعليا بتراجع منسوبه عند إنجاز هذا السد الذي بدأت أثيوبيا بتعبئته بشكل تدريجي وهي ترفض الاعتراف المباشر وغير المباشر بحقوق مصر التي تستند للاتفاقيات الموقعة العام 1929 والعام 1959 وتعطي مصر 87 % من مياه النيل بواقع 55 مليارا سنويا.
هناك سعي مصري لإقناع الطرف الأثيوبي بإطالة مدة تعبئة بحيرة السد لأكثر من سبع سنوات مع ضمان تدفق مائي سنوي لمصر بحد أدنى أربعين مليار متر مكعب سنويا لكن هذا يقابل برفض أثيوبي قاطع، وقد أخفقت أربعة اجتماعات متتالية تمت بدعم من الولايات المتحدة الاميركية والبنك الدولي بين الأطراف الثلاثة في التوصل لاتفاق.
بالمقابل يبدو أن السودان أقل شعورا بالقلق لأن السد سيساهم في رفع قدرته على التحكم في الفيضانات من خلال تخزين الطمي وإطالة عمر السدود والاستفادة من الطاقة الكهربائية المتولدة من النهضة بسعر زهيد، لذلك لا تذهب بعيدا في دعم مصر وهو ما بدا أن هناك افتراقا مع القاهرة ظهر في تراجع الخرطوم عن الدعم في جامعة الدول العربية مؤخراً.
من الواضح أن هناك أزمة تواجه مصر في التعاطي مع هذا الملف الذي يستهدف الأمن الاستراتيجي لها ويبدو ذلك في أنه وخلال خمس سنوات من المفاوضات مع أثيوبيا لم يتم التوصل لأي نتائج بل إنها عادت للمربع الأول نتيجة السلوك الاثيوبي الذي يستنسخ الأسلوب الإسرائيلي في المفاوضات بحيث يتم استهلاك الوقت في التفاوض والتراجع عن أي التزامات وتعهدات ووضع مصر والسودان أمام الامر الواقع.
وجود تنسيق اثيوبي إسرائيلي في ملف السد بدأ يتسرب بعد زيارة رئيس وزراء إثيوبيا آبى أحمد واجتماعه بنتنياهو لبحث التعاون المشترك بينهما، في مجالات التكنولوجيا والأمن والمياه، ووصفه الزيارة بالتاريخية، داعيا الطرفين للتعاون والتغلب على التحديات المشتركة ومنها إدارة مصادر المياه، رافق ذلك معلومات عن قيام إسرائيل بتزويد اثيوبيا بأنظمة دفاعية لحماية السد من أي هجوم مصري محتمل.
تضيق خيارات مصر في التعامل مع هذا التحدي الكبير خاصة مع قرب الانتهاء من تعبئة السد وانتهاء أعماله والمؤكد أن إسرائيل حاضرة في هذا الملف بكل قوتها لأنها تعتبر أثيوبيا بوابتها على إفريقيا أولا، ولأنها تريد أن تخلق واقعا معقدا لمصر يساهم في إضعافها، بالرغم من أن العلاقات الإسرائيلية المصرية لم تشهد أي تراجع في عهد الرئيس السيسي إلا أن إسرائيل تدرك أن مصر المستقرة والقوية هي خطر مستقبلي عليها.
هذا تحد يتجاوز في تأثيره مصر ليشمل تهديد الأمن القومي العربي بمجمله ويتطلب موقفا عربيا حازما لدعم مصر وعدم تركها وحيدة ليفرض عليها الطرف الأثيوبي العطش ويقدم خدمة لإسرائيل التي تريد ضرب كل مراكز الثقل العربي، فهل يتحرك العرب حتى لا يستهدفوا من إفريقيا هذه المرة ؟!!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock