أفكار ومواقف

أسئلة الفشل والازدهار

تؤسس سنغافورة، وقصص نجاح أخرى، حالة تدعو إلى الدهشة والتساؤل: كيف تتقدم دول من غير موارد طبيعية؟ لكنها محاولات للإجابة لا تتعارض، بطبيعة الحال، مع إدارة وتوظيف الموارد المتاحة والجغرافيا، لبناء نظام اقتصادي اجتماعي مزدهر.
في حالة تفسير التقدم والفشل على أساس مؤسسي، اشتهر كتاب “لماذا تفشل الدول: منشأ القوة والازدهار والفقر”، لمؤلفيه دارون أسيموغلو، وجيمس أ. روبنسن. في المقابل، هناك كتاب “أسلحة جراثيم فولاذ” لجيرد ديموند. وقد لقي الكتابان اهتماما كبيرا، ونشرت منهما طبعات عدة في صيغ وأشكال عدة، وقدمت لهما جوائز مهمة. بل إن كتاب ديموند حول إلى فيلم يمكن مشاهدته على “يوتيوب”.
وقد سبق أن عرضت كتاب “لماذا تفشل الدول” في مجلة سياسات، كما عرضت “أسلحة جراثيم فولاذ” في “الجزيرة نت”. وأقدم في هذه المساحة عرضا لمقال نشر لديموند في “نيويورك تايمز” (بتاريخ 7 حزيران (يونيو) 2012)، مجادلا في أنه لا يمكن إغفال العامل الجغرافي والموارد، وأن ربط التقدم فقط بـ”المؤسسات الشاملة”؛ بمعنى السياسات والتشريعات التي تحفز الإنتاج وتحميه، لا يفسر لماذا انهارت دول ذات مؤسسات ناجحة، وكيف نفسر الازدهار والتقدم على مدى التاريخ قبل هذا التطور المؤسسي.
يقول ديموند: نشأت الدول حول الاقتصاد الزراعي. ويمكن ملاحظة العلاقة بين طول مدة الاقتصاد الزراعي وبين النجاح السياسي؛ فالزراعة لدى كثير من الباحثين والمفكرين أسست للأنظمة السياسية والإدارية.
وحول ظاهرة أن كثيرا من البلاد التي كانت تدير اقتصادا ناجحا تواجه اليوم حالة من الفقر والبؤس بسبب سياسات الاحتلال والسخرة ومصادرة المنتجات والتغيير القسري لوجهة الاقتصاد، ثم إن الكثير من هذه الدول بعد استقلالها واصلت سياسات “احتكارية” فاشلة؛ لا يمكن تجاهل عوامل مهمة ومؤثرة ومستقلة أيضا عن المؤسسات، مثل الكوارث والأوبئة والأمراض المتوطنة وتأثيرها السلبي على الإنتاج والتقدم، فهي تستنزف الموارد، وتعيق المشاركة في العمل والإنتاج، وتشغل النساء والأسر عن العمل، وكيف يمكن تجاهل تأثير الجليد والشتاء على الموارد والعمل والإنتاج أو درجات الحرارة والمناخ والجفاف والأمطار في الصحارى والمناطق الاستوائية أو المعتدلة.
يقول ديموند: يشكل الموقع الجغرافي بالنسبة لخطوط العرض عاملا مهما في القوة والازدهار مستقلا عن المؤسسات. ويمكن ملاحظة ذلك بحسم في الإنتاج والغذاء والصحة، وكذلك في نقل السلع وشحنها؛ فالملاحة البحرية أو النهرية أو النقل البري، تؤثر على تكلفتها وفرص وصولها وتصديرها واستيرادها. ومؤكد أن الدول المعزولة عن البحار تواجه تحديا اقتصاديا. ويمكن المقارنة والملاحظة بين اقتصادات الدول وبين موقعها بالنسبة للبحار والأنهار، على سبيل المثال أفغانستان ونيبال وكثير من دول أفريقيا المعزولة عن البحار تعاني من الفقر وانخفاض مستوى الدخل.
ويؤثر في مستوى الثروة أو الفقر توافر الموارد الطبيعية مثل المياه والغابات والمأكولات البحرية. والدول التي تفقد مواردها الطبيعية تمضي إلى الفقر. فالدول التي أزيلت منها الغابات، مثل هاييتي ورواندا وبوروندي ومدغشقر ونيبال، مضت نحو الفقر وعدم الاستقرار السياسي.
ونعلم جميعا من تجربتنا الشخصية -يقول ديموند- أنه ليس ثمة جواب واحد بسيط عن السؤال: لماذا يصبح أحدنا ثريا أو فقيرا؟ يعتمد ذلك على الميراث، والتعليم، والطموح، والموهبة، والصحة، والاتصالات الشخصية، والفرص، والحظ… ويجب ألا يفاجئنا بأنه لا يوجد جواب واحد أو صحيح عن سؤال لماذا تكون مجتمعات غنية أو فقيرة؟
وفي اختيار الموارد الوافرة في دول أن تنعكس على التقدم الاقتصادي، يرى ديموند أن أسيموغلو وروبنسن اختارا بانحياز حالات من الفشل والنجاح؛ فإذا كان الألماس لا يؤدي الى التقدم في سيراليون، ماذا عن الحديد؟ أليس موردا؟ وما دوره في النجاح أو الفشل/ اللعنة؟ وبرغم أن المنظمات الدولية بذلت جهودا كبيرة وأنفقت مبالغ طائلة لتطوير البناء المؤسسي في الدول التي عملت فيها، إلا أن هذه الدول لم تتقدم.

تعليق واحد

  1. سنغافوره والاردن
    اعتقد بان تكون من ضمن النشاطات التعليميه في مدارسنا هو تحليل وتشريح : لماذا الأردن دوله متخلفه , علنا نغير نمط التفكير الغارق في سباته ونتقدم الى الأمام

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock