فكر وأديان

أسباب قضية ظلم المرأة الأوروبية (4)

أسامة شحادة

نحن اليوم على موعد لبيان السبب الرابع والأخير لمشكلة المرأة في أوروبا والتي ترتب عليها وقوع مظالم جسيمة بحق المرأة هناك وذلك من خلال نظرة المؤرخ والفيلسوف الأميركي المشهور ول ديورانت التي سطرها في كتابه “مباهج الفلسفة”، وهذه الأسباب هي:
1 – النظرة الدونية الظالمة والمعتدية للمرأة من عهد الإغريق واليونان ثم تسرب ذلك لليهودية والمسيحية ومن بعد لفلاسفة التنوير والحداثة!
2 – انحراف مفهوم الزواج وتطبيقه بشكل مختل ومجحف بحق المرأة في أوروبا.
3 – الثورة الصناعية وظهور الرأسمالية التي استغلت المرأة بدعوى تحريرها وهي في الحقيقة تراكم ثرواتها وتصفي حساباتها مع احتجاجات العمال الرجال!
4 – الحرب العالمية الأولى التي أفنت ملايين الرجال وغيّرت تركيبة المجتمعات الأوروبية.
إذ إن تاريخ الحروب الداخلية الطويل في أوروبا ولّد الكثير من المشاكل فالحرب العالمية الأولى التي اندلعت شرارتها في 1914م ضاعفت تلك المشاكل بعامة وعلى النساء بخاصة، وذلك بسبب سعة مساحة الحرب ومشاركة غالب الشعوب الأوروبية فيها، وقد استمرت الحرب أربع سنوات، شارك فيها حوالي 60 مليون جندي أوروبي، وقتل فيها 8 ملايين عسكري و7 ملايين مدني! بخلاف عشرات الملايين من المصابين والمفقودين والأسرى، ونتج عن ملايين الجثث في الحرب انتشار العديد من الأوبئة منها الإنفلونزا الإسبانية التي قتل بسببها 50 مليون إنسان على أقل تقدير!
هذه الحرب الطاحنة دفعت النساء من كل الطبقات للعمل في المصانع التجارية والمصانع العسكرية وللمشاركة في الحرب بالتمريض وربما أحياناً بالقتال العسكري، وذلك أن الحرب فرّغت المجتمعات الأوروبية من الرجال الذين شحنتهم لخنادق المعارك التي تحوّل كثير منها لقبور جماعية للجنود بسبب تطور تقنية الأسلحة!
وتم تسويق فكرة عمل المرأة بالمصانع وتحت ظروف عمل قاسية ولساعات طويلة وبأجرة غير مجزية وتقل عن أجور العمال الرجال وغير مناسبة لوضع المرأة كأم عندها أطفال أو شاقة على طبيعة المرأة، بحكم أن عملها هذا هو خدمة للوطن وتضحية من أجله، بينما كان بحث الرأسماليين أصحاب المصانع عن تكديس الثروات هو الدافع الحقيقي لجر النساء للعمل في مصانعهم، إذ انتشرت في تلك الحقبة الملصقات الإعلانية التي تروج لنعيم جنة العمل في المصانع! بينما كانت الحقيقة هي إصابة ملايين النساء بالأمراض بسبب هذه الأعمال غير الصحية ولا المناسبة لطبيعتها.
وكان للنظرة الدونية للمرأة والسائدة في المجتمعات الأوروبية دور كبير في عدم إنصاف المرأة في عملها بالمصانع وكافة المجالات، حيث كانت تسند لها الأعمال الحقيرة لكونها جاهلة لا تفهم! ولا تعطى الأجرة كاملة لأنها لا تستحق! وقد رُفض عمل المرأة كطبيبة في تلك المرحلة بسبب احتقارها من قبل الرجال! وكان العمال الرجال يرفضون العمل تحت إمرة النساء!
وحتى نعرف ضخامة انخراط المرأة في العمل يكفي أن نعلم أنه في العام 1918 كان ربع القوى العاملة في المصانع الحربية الفرنسية من النساء وقُدّر عددهن بحوالي 400 ألف امرأة، وفي بريطانيا وصل عدد النساء العاملات في قطاع النقل بمختلف أشكاله إلى حوالي 100 ألف امرأة.
وقد تولد عن مجربات الحرب ونتائجها وظروف العمل الصعبة للنساء فيها عدة نتائج سلبية:

  • فقدان كثير من النساء لأزواجهن وآبائهن وأبنائهن، مما سبب مشاكل اقتصادية وأخلاقية وتفكك الأسرة والمجتمع لاحقاً.
  • اغتصاب كثير من النساء في الحرب على يد الجنود الأعداء، أو إصابتهن نتيجة القذائف.
  • انتشار الفجور والعنف والإباحية تجاه المرأة من قبل الجنود العائدين لأوطانهم.
  • ركود اقتصادي كبير وشامل، فانتشرت البطالة ونقصت الأجور وتصارع الجنود العائدون والنساء العاملات على الفرص المحدودة للعمل، حيث طالب الجنود بطرد النساء من المصانع، واحتجت النساء بفقدان معيليهن!
    فملايين الجنود العائدين تحولت شخصياتهم نحو العنف والقسوة وهم يعانون من فقدان الأهل ربما في الحرب فضلا عن الإصابات التي قد يكونون أصيبوا بها، والواحد منهم أيضا قد لا يجد وظيفة وعملا يعمل به، ولذلك لم يتمكن من إعادة عائلته أو تكوين أسرة جديدة.
    وفي المقابل كثر النساء بسبب الترمل أو قلة الرجال بسبب ملايين القتلى، وأصبح هناك نساء كثر لديهن صدمة الاغتصاب أو تعرضن للإصابات، هذا الحال جعل العلاقة بين الرجال والنساء يسودها صراع متعدد الجهات:
    فهناك صراع اقتصادي على فرص العمل. وهناك صراع اجتماعي في التعامل مع النساء بقسوة. وهناك صراع أخلاقي حيث يريد الرجال الاستمتاع بالنساء دون مسؤولية والتزام أسري.
    انعكس هذا على المرأة التي أصبحت تعاني من ظروف أكثر بؤساً في العمل بسبب المنافسة الشرسة أكثر في صفوف البطالة بين النساء والرجال، وأصبحت المرأة تعاني من مزيد من العدوان عليها سواء من زوجها أو الرجل الغريب.
    يقول المؤرخ والفيلسوف الأميركي ول ديورانت عن آثار انتهاء الحرب العالمية الأولى على وضع النساء عموماً فيقول: “كانت الحرب العالمية الأولى آخر عامل في هذا التغيير … وعودة الجند الوحشية والإباحية، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها عاد آلاف منهم إلى بلادهم فكانوا بؤرة للفساد الخلقي” (1/135).
    ولم يقتصر ظلم المرأة في الجانب الاقتصادي والأخلاقي، بل أيضاً شمل الجانب السياسي، فبرغم تعويض المرأة مكان الرجل في مصانع الذخيرة والنقل وتولي تمريض علاج المصابين، إلا أن ثقافة الرجال الأوروبي بقيت تنظر للمرأة بدونية، ففي بريطانيا وبعد حملات طويلة من الضغط سمح للنساء بالتصويت في العام 1917 لمن بلغن سن 30 عاماً وأن يكون لديهن ممتلكات، بينما يحق للرجال التصويت في سن 21 عاماً!!
    إذًا؛ كل هذه الأسباب من مشاكل ظلم المرأة الأوروبية هي نتاج ثقافة أوروبية معادية للمرأة وظروف أوروبية لا علاقة لبقية العالم بها، وخاصة العالم الإسلامي، وأيضا علاج هذه الثقافة والظروف والمشاكل الأوروبية تمت بوصفات نابعة من الفلسفات الأوروبية الحديثة، ولكن نتيجتها كانت تحطيم الأسرة والمجتمع كما يصور لنا ذلك ديورانت في ثلاثينيات القرن الماضي: “نشأت هذه الوظيفة للأسرة كمركز أخلاقي وموحد للمجتمع، من وضعها باعتبار أنها الوحدة المنتجة للنوع الإنساني. وكلنا يعلم أن هذا الوضع المركزي للأسرة قد انتهى … ذلك أن هجرة الصناعة من البيت والحقل إلى المصنع والشارع وتطور المهن الحرة … كل ذلك قد مزق الروابط التي كانت تصل بين الأبناء والآباء لحفظ وحدة البيت” (1/132).
    “كيف نفسر هذا الانقلاب السريع للتقاليد والنظم الثابتة والمحترمة من عصور أقدم من المسيحية؟ السبب الشامل لهذا التغيير هو تكاثر الآلات، أما “تحرر المرأة” فكان عرضاً نشأ عن الثورة الصناعية” (1/202).
    “فلما أصبح البيت فارغاً، ولم يعد مكان العمل شيء أو الاستمتاع بالحياة، هجره الرجال والنساء، وأخذوا يعيشون في صناديق أو خلايا تسمى شقة في بيت … فهذا نظام استمر عشرة آلاف سنة انهار في جيل واحد” (1/204).
    “تأخير الزواج هو الأصل في تحول أخلاقنا الجارف في المجتمعات الحديثة” (1/129).
    “لقد كانت الأسرة أداة حماية لتلك العادات والفنون والتقاليد والأخلاق التي تكون تراثنا الإنساني” (1/132).
    “فالمدينة لا تعتقد أن الأطفال لازمون، وهي لذلك تعلّم النساء أن يصبحن محضيات، ولا تلوثهن بالحمل” (1/206).
    “لقد عميت أبصارنا في غمار حروبنا وآلامنا عن هذا الأمر الواقع، وهو أن حقيقة الحياة الأساسية ليست في السياسة ولا في الصناعة بل في العلاقات الإنسانية، أي في ارتباط الرجل بالمرأة والآباء بالأبناء، وتدور الحياة كلها حول هذين المحورين من المحبة، حب الزوج وحب الأم” (1/217).
    وهو الواقع البئيس للأسف الذي أصاب مجتمعاتنا العربية والإسلامية اليوم نتيجة أنها سلكت سبيل الحلول الأوروبية لعلاج مشاكل لا وجود لها في مجتمعاتنا!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock