أفكار ومواقف

أسبوع الحلول بالجملة؟

في بحر أسبوع واحد أو أزيد قليلا، وعلى نحو مغاير لما كانت عليه الصورة، بدت سلسلة من الأزمات العربية المستعصية وكأنها دخلت، أخيرا، عتبة تحولات لافتة، تشي للوهلة الأولى بقرب حدوث انفراجات ظلت عصية حتى الأمس القريب، وتعد على نحو ما بانقضاء ليل طال أكثر مما ينبغي في أربع دول عربية متذابحة.
فقد بدا العراق، وهو الأب الحقيقي لكل هذه الأزمات المستحكمة، وكأنه قد خرج من عنق الزجاجة بعد لأيٍ شديد، وتبعته ليبيا بجرة قلم على خط انفراج مماثل، فيما يستعد اليمن لجولة حوار أخرى وشيكة في الكويت، بينما تتقدم الأزمة السورية خطوة جديدة في متاهة جنيف المغلقة.
هكذا، بين عشية وضحاها، انقلب التشاؤم، الذي ظل سيد الموقف منذ سنين طوال، إلى حالة من التفاؤل، وأن شيئا إيجابيا كان دونه خرق القتاد، دخل في طور التحقق البطيء، في مؤشر على انتقال المشهد العربي العام، بقدرة قادر، من سياق التصعيد المتفاقم، إلى مدار الحلول المحمولة على جناح مهيض.
فماذا عدا مما بدا كي يحدث هذ التحول المفاجئ في غضون أسبوع؟ وكيف أن ما كان محض أضغاث أحلام صار أمرا في متناول اليد؟ وما الذي تبثه هذه الإشارات المتتابعة من رسائل طيبة، أحسب أنها عاكست التقديرات السائدة، وأملت نفسها على واقع بات نهباً للتطرف، وخرج عن السيطرة؟
لا يرغب المرء في الظهور بمظهر من ينفخ على الجمر وقت إطفاء الحريق، ولا يسره إبداء التطير في أجواء احتفال وشيك. إلا أنه لا يستطيع أن يخادع نفسه، ويقبل بهذه المؤشرات هكذا على علاّتها، من دون إجراء المحاكمات اللازمة، والقيام بالاختبارات الضرورية، والاتكال على عنصر الزمن، للتأكد من صحة الافتراضات القائمة على حسن النية.
وإذا كان صحيحاً أن المظهر الكلي لهذا التطور يبدو باعثاً على قدر من الآمال المشوبة بالحذر، ويدعو إلى معاقرة شيء من التفاؤل المشروط بتوفر مزيد من الشروط المواتية، فإن من الصحيح أيضاً، أن من المبكر جداً التعلل بالأماني المحلقة عاليا، وأن من السذاجة السياسية استعجال النتائج المراوغة على طول الخط بتلقائية.
ولعل بيت القصيد في هذه المقاربة المسكونة بالتحفظ والتحوط، إزاء ما تعد به هذه التحولات المحتملة في المدى القريب، هو أن المشهد الكلي من الخارج لا يتوافق مع مكوناته الداخلية المنظورة بالعين المجردة، إن لجهة عمق الأحقاد المتبادلة، والافتقار إلى الإرادات للتسويات المرضية، أو لجهة استمرار التمسك بالرهانات المعقودة بعد على خيار القوة.
ذلك أن القاعدة الذهبية لكل حل سياسي، تتأسس على معطى رئيس قوامه التنازلات المتبادلة، وتستند إلى مبدأ الكف عن التعلق بمنطق اللعبة الصفرية، ومن ثمة النظر إلى المستقبل عوضاً عن الانشداد إلى الماضي. وهذه قاعدة أحسب أنها لم تتكون بعد في الذهنية العامة لدى الأطراف المتصارعة، إن لم نقل إنها دخيلة على ثقافة المتبتلين في محراب القوة المجردة.
وأحسب أن الوصول إلى حل توافقي لأي من هذه الأزمات الطاحنة، يقتضي الاعتراف، ضمنا، بخطأ الحسابات والافتراضات والرهانات، وإجراء المراجعات علنا، وبالتالي تقديم تنازلات جوهرية، لا تستطيع الأطراف المتصارعة حتى النفس الأخير تقديمها هذه اللحظة، بما في ذلك تقاسم السلطة، والتخلي عن الرايات والشعارات والادعاءات الزائفة، ناهيك عن الإقرار باستحالة حسم الموقف عسكريا.
فمن العسير مثلاً فهم أن العراق المبتلى بحالة فساد أقوى من الدولة ذاتها، قد اجتاز انقساماته المديدة بين عشية وضحاها؛ وأن ليبيا قد تعافت من محنة حطمت أركان الدولة الأبوية، وصار لها فجأة قوة مركزية بدلا من ثلاث حكومات متنافسة؛ وأن اليمن سينهض، فوراً، معافى من حربه المنسية. أما عن سورية، فحدث ولا حرج، عن أزمة لم تنضج للحل رغم تحولها إلى كارثة.
إزاء ذلك كله، فإن ما يبدو على السطح بأنه انعطافة واعدة، شملت سائر الأزمات المذكورة آنفاً، ليس إلا مجرد مخاتلة اقتضتها لحظة مؤقتة، وأن الأمر في التحليل الأخير هو محاولة عابثة لشراء مزيد من الوقت، الذي قد يطول أكثر فأكثر، إلى أن يتعب المتصارعون فوق الخراب العظيم، ويتوصلوا لاحقا إلى استنتاجات مغايرة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock