أفكار ومواقف

“أسرار” الخرباوي!

خلال فترة قصيرة من طرحه في الأسواق، حظي كتاب “قلب الإخوان”، لثروت الخرباوي، باهتمام كبير؛ ولقي رواجاً واسعاً في داخل مصر وخارجها. وشخصياً، التقيت بالعديد من النخب السياسية الأردنية ممن اقتنوا هذا الكتاب، ويتحدثون عمّا يحتويه من معلومات وآراء عن الجماعة من أحد أبنائها المخلصين السابقين!
توقيت نشر الخرباوي لهذا الكتاب، وكتابه الآخر “سرّ المعبد”، جاء مناسباً تماماً للنخب السياسية والمهتمين العرب، ليلج إلى عالم الجماعة الداخلي، ويمنح القارئ فرصة سانحة ليكتشف بنفسه أسراراً وكواليس كانت محجوبة عن الإعلام والنشر (بصورة عامة) في أغلبها، وتحديداً في الجماعة الأمّ في مصر (جماعة الإخوان المسلمين)؛ ما ساعد بقوة على نشر الكتاب وإعادة طباعته خلال هذه الفترة الوجيزة!
الميزة الثانية للكتاب تتمثّل في اللغة الأدبية لصاحبه (وهو محام)؛ إذ نجح في تحويل قصته داخل الجماعة، ومذكّراته الشخصية، إلى ما يشبه الرواية الحقيقية، أشخاصها –على الأغلب- هم قيادات الجماعة المعروفون، وتفاصيلها تدور في الأغلب في “كواليس” الجماعة، سواء بشأن دورها في نقابة المحامين، أو في شُعَب الجماعة ومحاكمها الداخلية. والمقصود بعنوان الكتاب “قلب الإخوان” هو قسم “القاهرة الشرقية” التي تضمّ أغلب القيادات الإخوانية ودهاليز صناعة القرار والصراع داخل الجماعة نفسها.
يتحدث الخرباوي عن مشواره في الجماعة، منذ دخوله إلى خروجه، في سياق أدبي متسلسل ممتع، وإن كان هو -في نهاية اليوم- في صراعه الداخلي مع “التيار القطبي” الذي يسيطر على الجماعة، يدفع ثمن علاقته بمختار نوح، أحد القيادات الإخوانية الشابّة البارزة، الذي ترك هو الآخر الجماعة قبل أعوام. يكشف الكتاب، أيضاً، عن الصراعات والخلافات الكبيرة التي كانت تدور، ومحاولات الإقصاء والتهميش للأصوات الإصلاحية (في الداخل)، مثل د. عبدالمنعم أبو الفتوح (الذي خرج هو الآخر)، وكذلك الأمر لمجموعة حزب الوسط الإسلامي (أبو العلا ماضي وعصام سلطان وغيرهم).
أخطر ما في الكتاب في ظني، وهو ما يستوقف النخب السياسية والمثقفة، يتمثل في هيمنة مشروع التنظيم على الأفراد، وتحوّله من إطار علاقة طوعية ناعمة، تهدف إلى تطوير الجهد نحو عمل جماعي مؤطّر ومتناغم، إلى غاية بحد ذاته، وإلى قيد حديدي، ينفّر العقول الذكية والمبدعة ويطردها من رحم الجماعة، وتوظيف مفهوم الطاعة والالتزام بالعمل الجماعي في بسط سيطرة القيادة، ومنحها سلطة كبيرة على الأفراد.
بالطبع، مثل هذه الآفات التنظيمية الطبيعية ستنجم عنها أمراض وأعراض أخرى يشرّحها الكتاب، مثل ما يسميه الكاتب “محاكم التفتيش” الداخلية، والولاء للتنظيم وتعظيم حرمته، واستمراء واستسهال تخوين واتهام كل من يخرج منه، إمّا بطعنه في عِرضه، أو وصفه بالعمالة للأجهزة الأمنية؛ وهي ظاهرة تتجاوز مصر إلى الجماعة في أغلب الدول العربية، طالما أنّ “البنية” نفسها، والأفكار المسيطرة ذاتها، والتجربة متشابهة في الأغلب. بالتأكيد، فإنّ هذه الأمراض لا تقف، أيضاً، عند الإسلاميين وحدهم. إذ إن تجارب اليساريين والقوميين وغيرهم عاينت الواقع نفسه؛ فالقصة مرتبطة بطبيعة التنظيمات “الهيراركية”، ذات الصبغة الأيديولوجية الحاسمة؛ وناجمة أيضاً عن معاناة طويلة من الصراع مع الأجهزة الأمنية والسلطات الحاكمة، واللجوء إلى العمل السرّي.
بالضرورة، من الظلم الحكم على “الجماعة” من خلال كتاب الخرباوي وحده، أو محاكمتها على أساسه؛ فهو نقل مشهداً لإحدى الزوايا السلبية، وفي المقابل هنالك جوانب مشرقة ورائعة عديدة في “الداخل الإخواني”، مثل القيم الإيجابية، والعمل التطوعي والتفاني فيه. إلاّ أنّ مثل هذا الكتاب وغيره يساعد الجماعة على أن تتجاوز مرحلة “إنكار الأمراض”، لتعمل على تكريس مبدأ “النقد الذاتي” والفكر النقدي، بخاصة بعدما أثبتت تجربة الربيع العربي وحكم الإسلاميين، أنّ ما كان يصلح في المرحلة السابقة سيكون قاتلاً للحركة في المرحلة المقبلة!

[email protected]

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. العودة الى اساس الدعوة
    الحفاظ على جماعة الاخوان كمكون سياسي رئيسي في الاردن مصلحه للوطن ولكن هذا لا يعني عدم قبول النقد وتجديد الفكر والالتفات الى المصلحه القريبه وهي مصلحة الاردن الذي هو جزء من الامه بمعناها الشامل …. واعتقد ان اسلوب الحجر على التفكير ومبدأ الطاعه بمفهومه المطلق لم يعد يجدي في عالم متحرك تتطور فيه الاولويات والمفاهيم باستمرار… ومن الملاحظ ان هناك من لا يزال يستعمل اسلوب التخوين والتشكيك واتهام من يخالفه بانه خارج عن المنهج و سيسقط بالضرورة وكانه يفرح بهذا او يتشفى وهو ما يتناقض مع الفكر الدعوي … وفي هذه الحاله لم يعد الحديث عن دعوة ومنهج بل حزب يصفي ويحجر على الافراد لصالح القياده الملهمه والتاريخيه …. واعتقد ان دعوة الاخوان فقدت الكثير من ابنائها جراء استمراء هذا الفكر الاقصائي الذي يحتج بان الدعوه تسير رغم سقوط البعض … …. لنترك فسحه للتفكير … وهنا استذكر قول الإمام حسن البنا رحمه الله نتعاون مع بعضنا في ما اتفقنا فيه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا عليه .

  2. شيطنة الاخوان…..قبل تجربتهم؟؟؟
    نسمع كثيرا عن الاخوان المسلمون ومحاولة البعض شيطنتهم , ولكن قبل ان نجربهم فعليا , فلماذا هذا الهجوم على اناس لم يجربهم الشعب وهم داخل الحكم ليتم الحكم عليهم؟ ان الاشارة لما يحدث بمصر وبعد ان وصل للحكم بها الاخوان المسلمون ليس دليلا على فشلهم بالحكم فهم يمرون بفترة ترتيب الامور داخليا وتنظيف مراكز الحكم من اناس تم الاطاحة برئيسهم بعد فساده الكبير ومن الطبيعي ان يحدث تخبط في مثل هذه الاحوال حتى يستقر الوضع. بالنسبة لاخوان الاردن الهجوم عليهم متوقع فهم الحزب الوحيد الذي يمكن تسميته حزب بالاردن واي ديمقراطية حقيقية ستوصلهم للحكم وهذا يخيف من عمل طوال الاعوام الماضية على حصد المكاسب الفئوية والشخصية وجعل الاردن مزرعة خاصة , ومزق لحمة الشعب على اساس منابت واصول مما اوصل البلد الى ما وصلت اليه من تردي في جميع المجالات, لا يجب ان نوقف توجهنا نحو الديمقراطية بسبب تخوف البعض من الاخوان المسلمون فأن وصلوا للحكم ولم يلقى حكمهم رضى الناس فالشعب يمكنه اسقاطهم متى شاء.

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock