أفكار ومواقف

أسطورة الدولة العميقة

إبراهيم البدور

الدولة العميقة أو من يسمى بالإنجليزية (Deep stat)، هو مفهوم شائع يُستخدم لوصف أجهزة معينة تتحكم بالدولة.

تتكون الدولة العميقة بهدف مشروع؛ كالحفاظ على مصالح الدولة الثابتة من أي تغييرات تحدث عند تشكل حكومة من معارضة مثلا ترغب في تغيير هذه الثوابت.

الدولة العميقة مفهوم جديد نسبياً، حيث ظهر أول مرة في تركيا قبل 30 عاما، حيث كان هدفه حماية علمانية الدولة التركية من أي تغيير في حال تغيرت الحكومات، وتبلور المصطلح في عدة دول أخرى؛ حيث تتحكم سلطات مختلفة- سياسية، اقتصادية، دينية، أمنية… الخ- في طريقة إدارة الدولة.

في الأردن الوضع مختلف شيئاً ما، فالدولة العميقة مصطلح يطلق على مجموعة جهات تحافظ مع بعضها على ثوابت الدولة؛ حيث الحكومة مع مجلس الأمة بتنسيق مع مؤسسة الديوان والمؤسسة الأمنية هي من تُشكل الدولة العميقة، ويرأس هذا التجمع رأس الدولة جلالة الملك.

الدولة الأردنية لها ثوابت خارجية وداخلية لا تتغير بتغيير حكومة أو مجلس نواب أو أعيان ولا حتى بتغيير رئيس ديوان أو مدير مؤسسة أمنية، فالدولة بُنيت على توازنات مع المحيط القريب من الدول المجاورة – الصديقة منها والعدّوة-، وكذلك بعلاقات متوازنة مع الدول الكبرى بحيث نحافظ على مصالحنا وبنفس الوقت نفي بما نتعهد به مع هذه الدول.

والأردن بحكم موقعه الجغرافي وسياساته الثابتة يمثل حالة الوسطية، والتي من خلالها يلعب أدواراً سياسيةً لا تستطيع باقي الدول المحيطة بنا القيام به، وهذا يعود بشكل أساسي الى ثبات نظام الحكم وعدم تغيّر السياسات التي ينتهجها بتغيير أيٍ من أطراف معادلة الحكم، وهذا يعطيه مصداقية لا تتوفر في دول أخرى تعتمد على جهة واحدة في الحكم إن كانت أمنية أو حزبية أو جهات أخرى.

مع دخولنا المئوية الثانية من عمر الدولة ومع الهبوط في مستوى غالبية القطاعات مع عدم قدرة الحكومات على وضع خطط تلتزم بها هي أو الحكومات التي تأتي بعدها؛ ذهبت «الدولة العميقة الأردنية» لانتهاج نمط جديد في إدارة الدولة وذلك برسم خطط مدروسة يضعها أصحاب اختصاص كلٌّ في مجاله بحيث تكون هذه الخطط (خطط دولة) عابرة للحكومات وللوزراء، ويكون قياس أداء الحكومة والوزراء بمدى تنفيذ هذه الخطط على الأرض.

من كل ما ذكرنا مع شرح لمفهوم الدولة العميقة في بعض الدول ومفهومه في الأردن؛ نرى أن مصطلح الدولة العميقة في الأردن يختلف جذرياً عن باقي الدول.

فالدولة العميقة في الأردن ليست جهازًا أمنيًا أو مؤسسة الديوان أو حزبا سياسيا؛ بل هي تجمّع لكل مؤسسات الدولة السياسية والأمنية برئاسة الملك تجلس مع بعضها وتتناقش وتخرج بقرارات تحافظ على الثوابت الداخلية والخارجية للدولة، ومع إنشاء مجلس الأمن القومي في التعديلات الأخيرة نكون قد دسترنا مصطلح «الدولة العميقة» بمفهومه الأردني.

المقال السابق للكاتب

سر “الخلطة الأردنية” في الإدارة

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا 

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock