ترجمات

أسطورة القلوب والعقول: كيف تفهم أميركا مكافحة التمرد خطأ

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

جاكلين ل. هازلتون* – (فورين أفيرز) 15/7/2021

قد يكون جلب نسخة مثالية من الحكم الأميركي إلى بلد آخر شيئاً جذابًا من الناحية النظرية. أما من الناحية العملية، فإن التدخل في بلد ثم مواصلة الحرب فيه على أمل أن ترى حكومته المحلية في نهاية المطاف الحاجة إلى إجراء إصلاحات ديمقراطية هو وهم خطير فحسب. مرة بعد أخرى، أدى القيام بذلك إلى تفاقم المعاناة الإنسانية، وتطلب اتخاذ خيارات أخلاقية مروعة، وأثار العنف في جميع أنحاء المناطق المعنيّة. ومع ذلك، فإن هذا الإيمان بإحداث الإصلاحات يبقى حاضراً. بل إنه يفسر، في الواقع، سبب بقاء الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق لفترة طويلة. منذ ما يقرب من 20 عامًا، كانت الولايات المتحدة وقوى أخرى تحث القادة الأفغان والعراقيين على إجراء إصلاحات تهدف إلى إضعاف التمرد أو هزيمته. وطالب القادة العسكريون بمزيد من الوقت والموارد والمزيد من الجهود لتحقيق الحكم الرشيد. لكن هذه الإصلاحات لم تأت أبداً.
* * *
الآن، بعد عقدين من الزمان، تغادر الولايات المتحدة أفغانستان أخيرًا، ولم يتبق سوى 2.500 جندي أميركي في العراق. وفي كلا البلدين، ما تزال حركات التمرد مستمرة. ولم يكن من المفترض أن تنتهي الأمور بهذه الطريقة. في كلتا الحربين، كانت واشنطن تأمل في أن يؤدي فرض الإصلاحات الديمقراطية إلى حماية السكان، وكسب القلوب والعقول، وهزيمة التمرد.
كانت هذه، بعد كل شيء، هي الرواية التي شُرحت في “الدليل الميداني لمكافحة التمرد للجيش الأميركي/ مشاة البحرية”، الذي تم توزيعه على الجنود في العام 2006، وكان الهدف منه هو توجيه كلتا الحملتين. وبالبناء على روايات الممارسين الغربيين عن حملات مكافحة التمرد الناجحة على مدى 60 عامًا، جادلت الوثيقة بأن الحكم الرشيد -بما في ذلك إجراء إصلاحات ديمقراطية- سوف يهزم التمرد. وكتب جنرالان، ديفيد بترايوس وجيمس آموس، في مقدمة الدليل: “من المتوقع أن يكون الجنود ومشاة البحرية من بناة الأمة بقدر ما يكونون محاربين. يجب أن يكونوا قادرين على تسهيل تأسيس الحكم المحلي وسيادة القانون”.
كما طرح القضية نفسها مقال نُشر في العام في مجلة Military Review كتبه ضابطان آخران -بيتر تشياريلي وباتريك ميكايلي: “سوف يقدم وجود بندقية في كل زاوية شارع، على الرغم من كونه جذاباً بصريًا، حلاً قصير الأمد فحسب ولن يكون معادلاً لأمن طويل الأمد متأسس في عملية ديمقراطية”. وأشار المؤلفان إلى أن الحكومات يجب أن تحد من الخسائر في صفوف المدنيين، لأن إيذاء السكان لا يؤدي سوى إلى تعزيز الدعم الذي يتمتع به التمرد.
كما قدم صناع السياسة المدنيون أفكاراً مماثلة. في العام 2009، أوصى “مركز الأمن الأميركي الجديد”، وهو مركز أبحاث أميركي ذو ميول ليبرالية، بأن الأولوية القصوى للولايات المتحدة يجب أن تكون “تعزيز الديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان في أفغانستان والمنطقة”. وفي العام 2010، أبلغت وزيرة الخارجية الأميركية في ذلك الحين، هيلاري كلينتون، المشرعين في أفغانستان بأن “تحقيق النجاح يتطلب جهدًا مدنيًا وعسكريًا متكاملًا تماماً، والذي تعقُب فيه المكاسبَ الأمنية على الفور مكاسب اقتصادية وسياسية”. وكانت كلينتون بذلك متماشية مع فكر بقية إدارة الرئيس باراك أوباما، حيث خلصت “استراتيجية الأمن القومي” التي نشرها البيت الأبيض في العام نفسه إلى أن “بناء القدرات اللازمة للأمن والنمو الاقتصادي والحكم الرشيد هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام والأمن على المدى الطويل” في أفغانستان والعراق.
في واقع الأمر، نادرًا ما اشتملت حملات مكافحة التمرد الناجحة على إصلاحات ديمقراطية، ولم يكن هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن تلك الحملات في أفغانستان والعراق ستكون مختلفة. بدلاً من ذلك، عندما تدخلت القوى الغربية عسكريًا لدعم حكومة مهددة، فإنها غالبًا ما كانت تكرّس انتهاكات تلك الحكومة لحقوق الإنسان، وتعزز النخب التي تهتم بمصالحها الذاتية، وتلحق الأذى بالمدنيين. وحتى عندما ضغطت قوة خارجية من أجل إجراء إصلاحات، فقد وجدت أن تأثيرها في الخيارات السياسية المحلية لدولة أخرى يكون محدوداً، ما يجعل الإصلاحات الديمقراطية غير مرجحة إلى حد بعيد.
في وقت ما، في مكان ما، سوف تقع الولايات المتحدة وشركاؤها مرة أخرى تحت إغواء دعم حكومة مهددة بالتمرد عسكريًا، مقتنعين بأن حملة لمكافحة التمرد على أساس تحقيق الحكم الرشيد يمكن أن تهزم المتمردين من خلال دمقرطة الإصلاحات. لكن ما يجب أن يدركه هؤلاء هو الدرس الرئيسي الذي يقدمه تاريخ مكافحة التمرد: أن القوى العظمى لا تستطيع أن تشكل بسهولة السياسات المحلية للدول الأصغر والأضعف.
صناعة الأسطورة
يتجذر الاعتقاد بأن الديمقراطية ضرورية للاستقرار على المدى الطويل وبأنها يمكن أن تتدفق من فوهة البندقية في الروايات المضللة عن حملات مكافحة التمرد السابقة. وهناك خمس حملات على وجه الخصوص تم الاستشهاد بها مراراً باعتبار أنها قصص نجاح: وهي تلك التي نُفذت في السلفادور، واليونان، والمالايا، وسلطنة عُمان والفلبين. وقد شارك بعضٌ من أبرز مؤيدي فكرة الحكم الرشيد لمكافحة التمرد في هذه الحملات. كان السير روبرت طومسون، الخبير البريطاني في مكافحة التمرد، مستشارًا للحكومة الفيتنامية الجنوبية أثناء حرب فيتنام، وخدم في مالايا. وخدم دافيد جالولا، وهو ضابط عسكري فرنسي، في الجزائر واليونان.
في كل واحدة من هذه الحملات الخمس، تقول القصة إن المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة أدركت تكاليف استخدام الكثير من القوة العسكرية ضد المدنيين، وساعدت بدلاً من ذلك شركاءها المهدَّدين على تبني الحكم الرشيد. وقد رتّب تزايد الدعم الشعبي للحكومة نتيجة لذلك كلفة على دعم التمرد، ثم تولى الجيش هزيمة ما تبقى منه. ومن هذا المنظور، ثمة معركة تدور بين المتمردين والذين يكافحون التمرد من أجل كسب ولاء -أو على الأقل تعاون- الناس، الذين يحددون في النهاية من يكون الفائز في الديمقراطية الجديدة.
لكن المشكلة هي أن الحملات التي يُستشهد بها في أغلب الأحيان كأمثلة على إصلاحات الحكم الرشيد لم تتضمن في الواقع إجراء مثل هذه الإصلاحات. بدلاً من ذلك، فازت النخب في هذه الحملات من خلال الدفع للقادة السياسيين والعسكريين المتنافسين وفرض رقابة عسكرية صارمة على المجتمعات المدنية. وخلال هذه العملية، أساءت معاملة المدنيين وتجاهلت حقوق الإنسان والحقوق المدنية. وفي العقود التي تلت ذلك، لم تصبح أي من هذه الدول الخمس -السلفادور، واليونان، وماليزيا، وعُمان والفلبين- ديمقراطيات كاملة. ولكن، في أحد الجوانب المهمة، كانت الحملات في هذه البلدان قصص نجاح حقاً: على المدى القصير، نجت الحكومات المهدَّدة، وعلى المدى الطويل، ظلت جميعها مستقرة سياسيًا نسبيًا -ومتحالفة، بشكل هامشي على الأقل، مع الغرب. فإذا كانت هذه هي الأهداف، لن يكون تطبيق نموذج ديمقراطية السوق الحرة الليبرالية ضرورياً لتحقيقها.
إن ما هو ضروري في الحقيقة هو شيء آخر: جهد مكلف وعنيف. يجب أن تستوعب الحكومة المحلية مصالح المنافسين الأقوياء من أجل الحصول على معلومات مهمة عن الفاعلين الآخرين، بما في ذلك أعضاء التمرد. وسوف تساعد المعلومات المتعلقة بالاهتمامات الشخصية، والسياسية والمالية، والتحالفات السياسية للنخب الحكومة على استهداف المنافسين من أجل كسبهم -أو استغلالهم بخلاف ذلك. كما تحتاج الحكومة أيضًا إلى القوة العسكرية للنخب المتنافسة لتعزيز قدرتها على السيطرة على المدنيين ومهاجمة المتمردين. وتشكل الميليشيات وسيلة لتعزيز جهود الحكومة بتكلفة منخفضة نسبيًا. يجب عليها أن تسيطر على سكانها لمنع الموارد الحيوية، مثل الغذاء، من التدفق إلى التمرد. ويجب أن تشن حرب استنزاف ضد المتمردين. وباختصار، تبقى الحكومة المهدَّدة في السلطة من خلال السيطرة على المدنيين باستخدام القوة الغاشمة، وعقد الصفقات مع رجال أقوياء ونخب أخرى ذات مصالح ذاتية، وبأن تظهر للمتمردين أنهم لا يستطيعون الفوز.
وليس هذا الاستنتاج جميلاً، لكنه دقيق تاريخيًا. إن الإصلاحات الديمقراطية لم تدخل الصورة قط. وفي الحقيقة، لو قامت أي من الحكومات المهددة بتطبيق مثل هذه الإصلاحات، لكانت قد جردت نفسها من الثروة والسلطة اللتين كانت تقاتل من أجل الاحتفاظ بهما. ولو أجرت اليونان أو السلفادور انتخابات حرة ونزيهة، على سبيل المثال، لكان من المحتمل أن يتم طرد الطغَم العسكرية المتعاقبة من السلطة. كان الحكم الرشيد سيعني انتحار النظام.
إساءة قراءة مالايا
إحدى أكثر حملات مكافحة التمرد نجاحًا التي تجري الإحالة إليها هي حملة طوارئ مالايا. ابتداءً من العام 1948، قاتل البريطانيون، وانتصروا، في حرب ضد تمرد قومي شيوعي في مستعمرتهم في مالايا. وبعد عقود، سيقدم دعاة الحكم الرشيد هذه القضية كنموذج للكيفية التي يمكن بها أن تلحق الإصلاحات الهزيمة بالتمرد. واستشهد جون ناجل، وهو ضابط متقاعد بالجيش الأميركي، بهذه الحملة في طبعة العام 2005 من كتابه، “تعلُّم أكل الحساء بالسكين” Learning to Eat Soup with a Knife، وأحال الجنرال بترايوس إليها كنموذج في الدليل الميداني لمشاة البحرية للعام 2006. لكن حالة طوارئ المالايا تروي في الواقع قصة مختلفة: كيف اضطر البريطانيون إلى التخلي عن الإصلاحات التي كانوا يأملون في إجرائها، ونجحوا على الرغم من ذلك.
غالبًا ما يشير الممارسون والنقاد إلى أن المملكة المتحدة عرضت الاستقلال على سكان مالايا، مُدخلة بذلك إصلاحًا رئيسيًا أضعف التمرد. وفي العام 1972، على سبيل المثال، كتب روبرت كومر، قيصر التهدئة للرئيس الأميركي ليندون جونسون في فيتنام، أن الحملة جرت “في سياق حكم القانون الراسخ والتقدم المطرد نحو الحكم الذاتي والاستقلال، ما سلب التمرد الكثير من الجاذبية السياسية”. لكن هذا العرض يخطئ في فهم ما حدث حقاً. من ناحية، اشتكى البريطانيون حتى النهاية من أنهم لم يحصلوا على الدعم الشعبي الذي اعتقدوا أنهم في حاجة إليه للفوز. ومن ناحية أخرى، كان معروفًا على نطاق واسع أن البريطانيين كانوا يخططون لاستقلال مالايا منذ العام 1942 -قبل بدء التمرد بفترة طويلة- ما يجعل من المستحيل من حيث التسلسل الزمني أن يكون عرض الاستقلال على السكان إصلاحاً أضعف التمرد.
علاوة على ذلك، تشكل تلك الحالة بالكاد مثالاً على أهمية بناء ديمقراطية ليبرالية شاملة. في الأصل، خطط البريطانيون لجعل ماليزيا دولة ليبرالية تعددية ذات جيش متعدد الأعراق. لكنهم تخلوا عن هذه الخطط في مواجهة مقاومة من النخب المهيمنة في مالايا، ووافقوا على إقامة دولة يظل فيها عرق الملايا أكثر قوة من الناحية السياسية من المجتمع الصيني العرقي الأصغر قليلاً والمجتمع الهندي العرقي الأصغر بكثير. وكان فقط بعد هزيمة التمرد حين بدأ البريطانيون في توسيع بعض الحقوق السياسية لغير المالايا. وحتى في الوقت الحالي، ما تزال الحكومة تفضل المواطنين من عرق الملايا في مجالات مختلفة تمتد من التعليم إلى الإسكان.
كما أن النظرة الشائعة إلى الحملة تقصر عن فهما بطريقة مهمة أخرى. يعتقد الكثيرون أن البريطانيين تعلموا بسرعة تجنب إلحاق الأذى بالمدنيين، والحد من استخدامهم القوة، واحترام حقوق الإنسان والحقوق المدنية. وفي واقع الأمر، تحدّدت ماهية ذلك الصراع من خلال السيطرة العسكرية على المدنيين -ممارسات العقاب الجماعي والاعتقالات الجماعية والسجن من دون محاكمة، وتدمير الممتلكات. كما قام البريطانيون أيضًا باعتقال المدنيين وأجبروهم على الإقامة في معسكرات التركيز. وبحلول العام 1952، كان قد تم إجبار أكثر من 500.000 شخص على العيش في هذه “القرى الجديدة”.
حول الوقت نفسه تقريبًا، كانت قصة مماثلة تتكشف في الفلبين. في حملة استمرت من العام 1946 إلى العام 1954، هزمت الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة جماعة “هوكبالاهاب” Hukbalahap (1)، المتمردين الذين طالبوا بحماية الحكومة ضد ملاك الأراضي الجشعين، وبقدر أقل من نفوذ الولايات المتحدة على القرارات الخاصة بسياسة الفلبين، وبإجراء إصلاحات شيوعية. وقد سيطر الجيش الفلبيني بقوة على المدنيين طوال فترة الحملة. وقام بتنفيذ عمليات تطهير واسعة النطاق ضد المجتمعات المدنية، وارتكب عمليات إعدام خارج نطاق القضاء، وأنشأ معسكرات لسجن المدنيين، وأحرق المنازل، وقتل الماشية ودمر الأغذية، واغتصب النساء. وكل هذا يتعارض مع الأسطورة القائلة إن الحكم الرشيد يؤدي إلى حملة ناجحة لمكافحة التمرد.
حملات محكومة بالفشل
ثمة في جذر أسطورة مكافحة التمرد فشل ذريع في فهم الحسابات التي تدخل في صنع القرار للحكومات المحلية. إن هذه الحكومات لا، ولن تنفذ الإصلاحات التي يطالب بها داعمها من القوى العظمى ما لم تخدم هذه التغييرات مصالحها -وهو أمر نادر الحدوث.
لن يكون لأي قوة خارجية، حتى قوة عظمى، أو حتى قوة فائقة القوة مثل الولايات المتحدة، أكثر من تأثير محدود في الخيارات السياسية المحلية للحكومات الأخرى. وعندما تعلن قوة عظمى أن بقاء حكومة مهددة هو مصلحة أمنية مهمة لها هي، فإن القوة العظمى تقلل إلى حد كبير من نفوذها الخاص؛ حيث تعرف الدولة الأصغر أن لديها القدرة لمقاومة مطالب الدولة المتدخلة. وحتى بعد الغزو الأميركي للعراق، عندما كانت الولايات المتحدة هي القوة الحاكمة، كانت لديها حرية محدودة في التصرف كما تشاء. بدلاً من ذلك، كان عليها أن تأخذ في الاعتبار مصالح بعض الجهات الفاعلة السياسية والعسكرية العراقية المؤثرة بسبب القوة والنفوذ -وأحيانًا القوة العسكرية- التي تمتلكها هذه الجهات.
قد يكون جلب نسخة مثالية من الحكم الأميركي إلى بلد آخر شيئاً جذابًا من الناحية النظرية. أما من الناحية العملية، فإن التدخل في بلد ثم مواصلة الحرب فيه على أمل أن ترى حكومته المحلية في نهاية المطاف الحاجة إلى إجراء إصلاحات ديمقراطية هو وهم خطير فحسب. مرة بعد أخرى، أدى القيام بذلك إلى تفاقم المعاناة الإنسانية، وتطلب اتخاذ خيارات أخلاقية مروعة، وأثار العنف في جميع أنحاء المناطق المعنيّة. ومع ذلك، فإن هذا الإيمان بإحداث الإصلاحات يبقى حاضراً. بل إنه يفسر، في الواقع، سبب بقاء الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق لفترة طويلة. منذ ما يقرب من 20 عامًا، كانت الولايات المتحدة وقوى أخرى تحث القادة الأفغان والعراقيين على إجراء إصلاحات تهدف إلى إضعاف التمرد أو هزيمته. وطالب القادة العسكريون بمزيد من الوقت والموارد والمزيد من الجهود لتحقيق الحكم الرشيد. لكن هذه الإصلاحات لم تأت أبداً.
لطالما كان ميل الولايات المتحدة إلى خوض ما تسمى بالحروب الصغيرة في الأراضي البعيدة، حيث مصالحها محدودة في الحقيقة، جزءًا لا يتجزأ من الاستراتيجية الكبرى التي اتبعتها الدولة منذ الحرب العالمية الثانية. لكن هذه المغامرات لا تخدم المصالح أو القيم الأميركية. إنها تشتت انتباه الولايات المتحدة، وتكبدها تكاليف باهظة، وتتطلب تقديم تنازلات أخلاقية مروعة. وسوف تكون الإستراتيجية الكبرى الأكثر حكمة واحدة تقوم على ضبط النفس. وبموجب هذا النهج، ستركز الولايات المتحدة على تفاعلاتها مع القوى العظمى الأخرى، ولا سيما القوى النووية. أما خارج هذا المجال، في البلدان التي توجد فيها حاجة إنسانية ملحة، فيجب على الولايات المتحدة أن تقدم دعمًا غير عسكري للجماعات التي تعاني القمع الحكومي. وعندما يتعلق الأمر بحملات مكافحة التمرد التي تشنها أو تدعمها قوى خارجية تأمل في الإصلاح، يشير التاريخ إلى أن اللعبة لا تستحق كل هذا العناء.

*jacqueline l. Hazelton: هي أستاذ مساعد في الكلية الحربية البحرية الأميركية، ومؤلفة كتاب “الرصاص وليس صناديق الاقتراع: النجاح في حرب مكافحة التمرد” Bullets Not Ballots: Success in Counterinsurgency Warfare..
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Hearts-and-Minds Myth: How America Gets Counterinsurgency Wrong
هوامش المترجم:
(1) تمرد هوكبالاهاب: هو تمرد نظمه هوكبالاهاب، أو الجنود المعادون للجيش الياباني ضد الحكومة الفلبينية خلال فترة الاحتلال الياباني للفلبين في العام 1942، واستمر في الفترة الرئاسية لمانويل روكساس وانتهى في العام 1954 في عهد حكومة رامون ماجسايساي. وقد أنشأ ثوار هوكبالاهاب أثناء الاحتلال الياباني للفلبين جيش مقاومة يتكون إلى حد كبير من المزارعين لمناهضة القوات اليابانية في لوزون الوسطى. وأنشأت مقاومة ثوار “هوك” -كما أصبحت الحركة تُعرف شعبيًا- معقلًا ضد اليابانيين في القرى من خلال حرب العصابات. وخلال هذا الوقت، عزّز ثوار هوك حمايتهم للمنطقة، وسادت العدالة في ظل سيطرتهم. وقد تميّزت الفترة بعد التحرر من اليابان بالفوضى. ونزعت الحكومة الفلبينية -بتحريض من الولايات المتحدة الأميركية- سلاح ثوار هوك واعتقلتهم بزعم أنهم شيوعيون. وأصبحت ممارسة المضايقات والإساءات بحق النشطاء الفلاحين أمرًا شائعًا، حيث طاردتهم قوات “جيش الولايات المتحدة في الشرق الأقصى” والشرطة الفلبينية (الشرطة المدنية). وكانت الإصابات في صفوف المدنيين كبيرة، وقرر ثوار هوك الانسحاب إلى الجبال والعودة إلى نمط حياة العصابات. (ويكيبيديا)

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock