أفكار ومواقف

أسوأ ما في الديمقراطية

قيل إن أسوأ ما في الثورة أن لا تكتمل؛ فأشباه الثورات، أو تلك الحركات الشعبية التي تُجهض لسبب أو لآخر، عادة ما تأتي بنتائج قد تكون أسوأ من الأوضاع التي يفترض أن الناس ثاروا ضدها. كذلك الأمر في وصفة الديمقراطية؛ فهي منهج للحياة السياسية، وليست تلك الحياة بحد ذاتها. لذا، فإن أي انحراف عن هذه الطريق، يعني فوضى قاسية إلى حد الضياع. هكذا، يلجأ تحالف مصالح طبقات سياسية إلى هذه الوصفة المضادة، كي يتوب الناس عن الحلم بالتغيير.
أسوأ ما في الديمقراطية أن تكون أشبه بالديمقراطية شكلا ومضمونا، لكنها فعليا ليست الديمقراطية ولا تمت لها بصلة؛ ثمة انتخابات واستفتاءات وصناديق وبرلمانات، تدور في  الحلقات المملوءة والمفرغة، وتعود لإنتاج ذات المجتمع السياسي بنخبه وتقاليده، وحتى بالجينات ذاتها؛ ومنابر إعلامية يقاتل فيها خبراء وموظفون كي تبدو حرة، وتتصارع فيها الآراء التي تؤول في نهاية اليوم إلى مرجع وسيد واحد.
هناك عشرات الأمراض التي تعاني منها المجتمعات في مرحلة الانتقال الديمقراطي، بعضها مشترك بين الكثير من المجتمعات، لكن طرق التعبير عنها مختلفة. وفي الحالة العربية، هناك ثلاثة أمراض رئيسة مستعصية، نلاحظها اليوم مع ازدياد تعقد المشهد السياسي، وحجم ما يحيط به من تعثر، وهي:
أولا: أزمة الجماعة الوطنية الديمقراطية. فقد كنا نتوقع مع بداية التحولات العربية، أن المجتمع المصري أنجز المهمة، واستطاع إنضاج جماعة وطنية ديمقراطية هي مزيج من التيارات السياسية والأيديولوجية المتعددة، التي يجمعها ولاء واحد هو الولاء للديمقراطية. لكن تطورات حالة الانتقال السياسي تذهب اليوم نحو هشاشة هذه الجماعة، رغم ما تملكه من تراث سياسي وتقاليد نضالية.
والأمر في المجتمعات العربية الأخرى أسوأ بكثير، حيث لم تولد هذه الجماعة إلى هذا الوقت. فالجماعة الوطنية الديمقراطية هي أحد المفاتيح الأساسية للبناء الديمقراطي، ومفهومها يتجاوز مفهوم النخب التقليدي، لأن مهمتها تاريخية بالمعنى العلمي؛ أي بناء الجسر الذي يعبر عليه المجتمع للحياة السياسية الجديدة.
ثانيا: أزمة التوافق الوطني حول القيم السياسية الكبرى. فربما استهلك العرب معظم القرن الماضي في الصراع حول هذه القيم، لكن من البؤس أن يُهدر هذا القرن أيضا في النقاش والسجال حول علاقة الدولة بالدين، وقس على ذلك العديد من القيم الكبرى الأخرى التي تؤسس للعقد الاجتماعي. هذه الأزمة تدور حول إخراج العمل السياسي من ارتهان الأيديولوجيا والعقائد؛ أي إعادة اكتشاف السياسة مجددا.
ثالثا: أزمة القانون ومأسسة التغيير والإصلاح. إذ ما تزال فكرة دور القانون، باعتبارها الأساس المتين للبناء الديمقراطي ومأسسة الإصلاح، لا تُعامل بجدية فعلية في نماذج التحولات السياسية العربية. فكل محاولات تصنيع الشرعية لا تغني عن الشرعية القانونية والدستورية، لكن الأخيرة لا يتوفر لها الوعي المجتمعي.
من المفترض أن يتعايش الناس وقواهم السياسية مع نتائج الديمقراطية مهما كانت. والمشكلة كما هي الحال في المشهد الراهن، أننا نرى فريقا يعتقد أن الديمقراطية وحدها غير كافية، ليبدأ البحث هنا عن الحلول الترقيعية، ويغيب أهم قوانين الانتقال الديمقراطي، وهو أن الديمقراطية أداة تصحح نفسها بنفسها.

[email protected]

[email protected]

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock