ترجمات

أسوأ مخاوف المستبِد؟ .. كتاب

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

دنكان وايت* – (نيويورك تايمز) 3/10/2019
ثمة حميمية في القراءة، وهي مكان خُلِقَ ليمكننا من تخيُّل تجارب الآخرين والتجريب في أفكار جديدة -كل ذلك في إطار يكفل الأمان لمخيلاتنا وخصوصياتنا. وقد أثبتت الأبحاث أن قراءة كتاب مطبوع، وليس على شاشة، يخلُقُ قدراً أكبر من المشاركة، خاصة بين الشباب. والكتب تجعلنا متعاطفين، متشككين، بل وحتى مُحرِّضين مشاغبين. فمن المنطقي، إذن، أن تجعل الأنظمة الاستبدادية تدمير الكتب أولوية واضحة. وقد عرف جورج أورويل هذا جيداً: كانت الجريمة الكبرى التي تغوي وينستون في رواية “1984” بارتكابها هي قراءة كتاب محظور.
* * *
في كل أنحاء العالم -بعد أن طوَّقت الإنترنت إلى حد كبير- أعلنت الآن العديد من الأنظمة الاستبدادية الحرب على الكلمة المكتوبة، أقدم عدو لها. وكانت الفكرة السائدة بعد انتهاء الحرب الباردة، هي أن الكتب الفيزيائية قد عفا عليها الزمن، وسرعان ما ستذهب إلى الهوامش في العصر الرقمي؛ وأن الإنترنت أصبح بدلاً من ذلك هو التهديد الحقيقي للحكومات التي تسعى إلى قمع التفكير المحرِّض. والآن، بعد مرور جيل، ربما يكون العكس هو الصحيح.
كانت جمهورية الصين الشعبية هي الأكثر نجاحاً في كبح جماح الإنترنت. لكن قبضة الصينيين المحكمة على المجتمع جاءت أيضاً نتاجاً لحملتهم الناجحة إلى حد كبير والتي أطلقوها في العقد الماضي لحظر جميع المكتبات والكتب والمؤلفين والأكاديميين الذين لا يلتزمون بموقف الحزب الشيوعي. وحتى قبل احتجاجات هونغ كونغ الحالية، شنت السلطات حملة ضد ناشري هونغ كونغ. وفي خريف العام 2015، اختفى المشاركون في متجر “كوزواي باي بوكس”، والذين اكتُشِف لاحقاً أنهم كانوا محتجزين في البر الصيني الرئيسي، متهمين بالاتجار بكتب “غير قانونية” تنتقد أعضاء بارزين في الحزب الشيوعي. وفي العام 2017، تولى الحزب الشيوعي رسمياً السيطرة على جميع الوسائط المطبوعة، بما في ذلك الكتب.
وليس الصينيون وحدهم في ذلك، بطبيعة الحال؛ أينما تزداد قوة الأنظمة الاستبدادية، من البرازيل إلى المجر إلى الفلبين، تتعرض الأدبيات التي تعبِّر عن أي نوع من المعارضة السياسية، إلى تهديد فريد ومتجدد. وقد تعرضت الكتب التي تتحدى القيم المعيارية للهجوم بشدة خاصة. كما يتم بمعدلات مقلقة استبدال كتب التاريخ التي يضعها علماء مستقلون بتلك التي تنتجها الدولة. وفي روسيا، تم الإعلان في آذار (مارس) عن مجموعة جديدة أكثر صرامة من قوانين الرقابة لمعاقبة الذين يُعبرون عن “عدم احترام واضح” للدولة (أي بوتين نفسه فعلياً).
في الشهر الماضي، كشف ضياء سلجوق، وزير التعليم القوي في تركيا رجب طيب أردوغان -بفخر- عن إخراج 301.878 كتابا من المدارس والمكتبات وإتلافها. وكانت كل تلك الكتب -كما زُعِم- ترتبط بفتح الله غولن، رجل الدين الذي أُلقيَ عليه اللوم في محاولة الانقلاب الفاشلة ضد حكومة أردوغان في العام 2016. ومنذ الانقلاب، كما وجد تقرير صادر عن “إنجلِش بِن”، تم إيقاف العديد من الدوريات وإغلاق 30 داراً للنشر، وأن 80 مؤلِّفاً تعرضوا للملاحقة القضائية أو تم التحقيق معهم جنائياً.
وتستمر القائمة وتطول في مختلف أنحاء الكوكب. في مصر، سجَن النظام الكتّاب المستقلين، وداهم متاجر الكتب، وأُجبر مكتبات على الإغلاق. وفي النهاية المتطرفة من الميزان، قام “داعش” بإحراق أكثر من 100.000 كتاب ومخطوط نادر في مكتبة الموصل العامة، والتي يعود تاريخ بعضها إلى ألف عام.
تقوم الأنظمة الاستبدادية بإنفاق قدر كبير جداً من الطاقة على مهاجمة الكتب، لأن محدودياتها المفترضة شرعت في أن تبدو كنقاط قوة: مع المراقبة على الإنترنت، أصبحت القراءة الرقمية تحمل معها مخاطر كبيرة وآثاراً شبه دائمة؛ ومع ذلك، لا يقوم أيُّ كتاب ورقي بمراقبةِ ما تقرؤه ومتى تقرؤه؛ ولا يمكنه تعقُّب الكلمات التي تضع علامات عليها وتبرزها؛ وهو لا يُجري مسحاً ضوئياً لوجهك خلسة؛ ولا يستطيع أن يعرف متى تشاركه مع الآخرين.
ثمة حميمية في القراءة، وهي مكان خُلِقَ ليمكننا من تخيُّل تجارب الآخرين والتجريب في أفكار جديدة -كل ذلك في إطار يكفل الأمان لمخيلاتنا وخصوصياتنا. وقد أثبتت الأبحاث أن قراءة كتاب مطبوع، وليس على شاشة، يخلُقُ قدراً أكبر من المشاركة، خاصة بين الشباب. والكتب تجعلنا متعاطفين، متشككين، بل وحتى مُحرِّضين مشاغبين. فمن المنطقي، إذن، أن تجعل الأنظمة الاستبدادية تدمير الكتب أولوية واضحة. وقد عرف جورج أورويل هذا جيداً: كانت الجريمة الكبرى التي تغوي وينستون في رواية “1984” بارتكابها هي قراءة كتاب محظور.
اعتادت الولايات المتحدة أن تقف ضد هذا المحو للحرية الفكرية. وعندما دخلت أميركا الحرب العالمية الثانية، كانت الهجمات اللفظية على حرق النازيين للكتب من الركائز الأساسية لاستراتيجية دعاية مكتب الإعلام الحربي. وأعلن الرئيس فرانكلين روزفلت: “لا يمكن لأي رجل ولا قوة أن يأخذوا من العالم الكتب التي تجسد نضال الإنسان الأبدي ضد الطغيان”.
وخلال الحرب الباردة التي أعقبت ذلك، أنشأت الحكومة الفيدرالية الأميركية شبكة من 181 مكتبة وقاعة قراءة في أكثر من 80 دولة. وفي العام 1955، نُقلت نسخ خفيفة الوزن من رواية “مزرعة الحيوانات” من ألمانيا الغربية إلى بولندا جواً عن طريق منطاد. وكان المبدأ الموحِّد -على الرغم من النفاق الرهيب لجيم كرو- هو أن حرية الفكر في الخارج سوف تفضل في النهاية انتشار الديمقراطيات الليبرالية المتسامحة.
لم تكن الولايات المتحدة دائماً على جانب الملائكة في الحرب الباردة، وساند الرؤساء الأميركيون الأنظمة الاستبدادية في أميركا اللاتينية على حساب المعارِضين. لكن جيمي كارتر، على سبيل المثال، دافع بقوة عن الكاتب المسرحي فاتسلاف هافيل وزملائه المعارضين التشيكوسلوفاكيين في أواخر سبعينيات القرن الماضي، حتى عندما عرّضَ ذلك الموقف للخطر سياسته الخارجية القائمة على الانفراج وتخفيف التوتر ونبذ الخطاب العدائي.
يشكل الرد الفاتر لإدارة ترامب على قتل الناقد جمال خاشقجي وتقطيعه المثال الأكثر فظاعة فقط على السبب الذي يجعل الدفاع العالمي عن حرية الصحافة والتعبير لم يعد أولوية أميركية. نادراً ما أصدرت وزارة الخارجية أدنى رد فعل عن أي شيء من هذا. وربما لا ينبغي أن يكون ذلك مفاجئاً عندما يأتي من رئيس يتفاخر بطريقة كوميدية بكراهيته للقراءة.
لا يعني هذا القول إن المعارضين عاجزون. فكما قال الشاعر الروسي أوسيب ماندلشتام، الذي مات هو نفسه في غولاغ سوفياتي: “إذا كانوا يقتلون الناس من أجل الشعر، فإن هذا يعني أنهم يكرِّمونه ويقدِّرونه؛ أنهم يخشونه، وهذا يعني أن الشعر قوة”. ولعل المنطق المنحرف للرقابة هو أنها بمحاولتها قمع الأدب، إنما تغوي جيلاً جديداً من المعارضين.
الآن، تجري تعبئة استراتيجية “سامزدات” القديمة النشر الذاتي السري مرة أخرى. وحتى في كوريا الشمالية، تمكَّن المؤلف صاحب الاسم المستعار “باندي” من تهريب مجموعة من القصص والقصائد إلى خارج البلد وإلى الغرب.
قد تكون عواقب وقوف أميركا جانباً ولامبالاتها بهذا الشأن كارثية -خاصة إذا ظل الرئيس ترامب ووزير خارجيته، مايك بومبيو، في السلطة لأربع سنوات أخرى. في الروايات الديستوبية الكلاسيكية عن المستقبل القريب -“عالم جديد شجاع”، و”1984″، و”فهرنهايت 451”- كان العالم الرقميّ غامراً وكليَّ الوجود. وكان الغياب الشبحي للكتب، والبذرة التي تزرعها، هو الكابوس. وبالنسبة لجزء كبير من العالم، لا يبدو مثل هذا المصير مستحيلاً.

*أستاذ دراسات التاريخ والأدب بجامعة هارفارد، ومؤلف كتاب “محاربون باردون: الكُتاب الذين شنوا الحرب الباردة الأدبية”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Authoritarian’s Worst Fear? A Book

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock