أفكار ومواقف

أسواق وموارد رثة تهدد التنمية

ليس كل عمل يؤدي إلى التنمية مهما كان الدخل المتأتي منه، بل إن بعض الأعمال تهدد التنمية وتلحق بها أضرارا بليغة مهما كانت الأموال المتحصلة منه، وحتى لو استخدمت عائدات هذه الأعمال في تحسين حياة فئة من الناس أو أعيد تدويرها في عمليات إنتاجية ورأسمالية فإنها تظل تهديدا للتنمية وتؤثر سلبا على المؤشرات العامة للتنمية أو الاقتصاد الكلي. وفي المقابل هناك أعمال كثيرة لا تدر المال لكنها تحسن الحياة بفعالية بل وتشكل ضرورة كبرى للتنمية.
يتبادر إلى الذهن فورا أعمال الاتجار بالبشر وعمالة الأطفال والمخدرات، لكن الأعمال والسياسات واتجاهات العمل والتجارة التي تلحق ضررا بالتنمية لا تقتصر على هذه الفئة من الأعمال والاتجاهات، ومن ذلك الأعمال والسياسات والأنظمة المالية والاقتصادية التي تلحق ضررا بالصحة والسلامة والكرامة الإنسانية، والأجور المنخفضة وساعات العمل الإضافية من غير أجر، وفي ظروف صحية وقانونية ونفسية مخالفة للقوانين واجراءات السلامة، والتهرب من الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي للعاملين، والتقاعس عن العمل وخدمة المراجعين والجمهور والمستهلكين وإساءة معاملتهم، وهدر الموارد والوقت والمرافق في الأعمال والمؤسسات، والخدمات والعقود والتوريدات القائمة على الاحتكار والإذعان والرشاوى والفساد، وغياب العدالة في التوظيف سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص وفي الترقية والابتعاث وسائر الفرص الوظيفية، وإضعاف التنافس والعائد على التعليم والخبرات العملية، ويظل أسوأ ما يمكن أن يصيب الأعمال والأسواق والخدمات هو فشل وإفشال المؤسسات التعليمية والصحية قصدا أو بدون قصد؛ لأنه في هذه الحالة سوف تنشأ متوالية خطيرة وشريرة من ضعف الإنتاج والمعارف والمهارات، ثم تنشأ أسواق موازية للتعليم والصحة لا يستفيد منها إلا الأغنياء؛ ما ينشئ انقساما اجتماعيا عميقا، وأسواقا وأعمالا تستفيد من الفشل وتقوم عليه، وفي ذلك تبدد الموارد والمدخرات لأجل الإنفاق على الفساد والفشل.
وعلى نحو بسيط وواضح يمكن تقييم الأعمال والأداء الاقتصادي للحكومة والأسواق والأفراد في مجموعة من المؤشرات والدلالات العملية، فالسياسات الحكومية يمكن ملاحظتها بالإنفاق العام وما تعود به من نمو في الاستثمار المحلي؛ نمو الناتج المحلي والمدارس والعيادات والطرق والمستشفيات والمرافق العامة والخدمات الأساسية والغذاء والماء والطاقة، ويمكن ملاحظة اتجاهات الأسواق والأعمال في التشغيل وتوزيع الفوائد والعوائد على المواطنين، وفي معنى وجدوى هذه الأعمال وقيمتها الاقتصادية الفعلية، وتوليدها لأعمال وموارد إضافية، وعلى مستوى الأفراد فإنهم يلاحظون التحسن أو التراجع في حياتهم، في السكن والغذاء والدواء والتعليم والتضامن الاجتماعي، والشعور بالرضا العام والثقة بالحكومة والمؤسسات.
يمكن أن يعمل المواطن ويزيد من جهده ومحاولاته لزيادة دخله، وهذا عمل جيد بالطبع، لكن على المستوى الكلي والعام فإن الجهود المضاعفة التي يبذلها كثير من المواطنين تذهب لأجل الإنفاق على التعليم والصحة والنقل، وهي مجالات وخدمات يفترض ألا ينفق عليها المواطنون طالما أنهم يدفعون الضرائب ويمولون الإنفاق العام، لكن المواطنين يمولون الإنفاق العام ولا يستفيدون منه، ثم ينفقون مرة ثانية لأجل الحصول على ما لم تفعل الحكومة وجمعت لأجله الضرائب، ثم ينفقون مرة ثالثة بسبب الاحتكار والإذعان والزيادة غير العادلة في قيمة الخدمات واسلع.
صحيح أن نسبة كبيرة من المواطنين تعمل بكفاءة وجد في اتجاهات إيجابية ومنتجة لكن المحصلة النهائية لأعمال وجهود المواطنين تؤول لصالح مجموعة قليلة وتحصر الثروات والموارد بيد نخب ومجموعات متطفلة تحصل على معظم الموارد من خلال التحكم الاحتكاري بالأسواق والاعمال أو بإفشال وتعطيل المؤسسات والمرافق العامة، وهكذا يتحول العرق والجهد النبيل إلى تركيز للثروة والنفوذ بيد فئة قليلة من الناس، وربما لو لم يعمل المواطنون لن تكون الأعمال والأسواق والخدمات أقل سوءا مما هي عليه، وهذا أسوأ ما يصيب المواطن؛ عندما يفقد الأمل، ولا تتحسن حياته بالعمل، ويستوي بالنسبة إليه العمل وعدم العمل.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock