أفكار ومواقفرأي في حياتنا

“أسيل” في بلاد العجائب!

في وسط عالم من المشاحنات عالية الصوت والتفاهمات قصيرة العمر، تتكون قصص في خفاء الغرف المنزوية، لا يعلم بها إلا الله وقلوب تعتصرها الوحدة.
بالأمس كانت فتاة واسمها الحقيقي أسيل ذات سبعة عشر ربيعا، ليست ربيعا كعادته وإشراقته ونضارته، كانت محشورة داخل غرفة في صالون للسيدات، تستجدي إحدى الزبونات وتستحلفها بالله، أن تمد لها يد العون وتنقذها من السجن الذي وضعت فيه.
أسيل، وتعمدت أن أذكر اسمها الصحيح، تعمل في مركز تجميل للسيدات تملكه وتديره سيدة من سيدات المجتمع، ممن قفزن فجأة فوق المجتمع بين ليلة وضحاها، وأصبحن يصلن ويجلن في البلاد والعباد، كما يحلو لأهوائهن أن تسير بهن، لأنهن وببساطة اعتقدن أنهن صرن يملكن مفاتيح الثروة والأسرار والسلطة المخفية، بعد نجاح أعمالهن غير الصغيرة، المسنودة بسندات وكفالات بنكية، بعيدة تماما عن حفلة قروض المرأة، التي أقلقت صفو يومين كاملين من أيامهن الجميلة السعيدة!
وكما في أفلام الثمانينيات، سعى أهل أسيل إلى تلك السيدة، صاحبة الأعمال الكبيرة في سوق الجمال والمرأة، لكي تعمل لديها بأي وظيفة ترتئيها، حتى ولو لم تكن تناسب سنينها الصغيرة وخبرتها البيضاء، في سوق سري خفي تستوطن زواياه خبايا وحكايات وأسرار، ربما كانت كبيرة على استيعاب تلك الطفلة الكبيرة، القادمة من حي فقير بل ومعدم، إلى عالم الأضواء والمرايا والمساحيق والأكاذيب.
انضمت الصبية إلى جوقة من الصبايا العاملات بصمت وانكسار، لدى سيدة لا ترحم موظفاتها من سلاطة لسانها، وإجراءاتها التعسفية ضدهن، أمام أي بادرة لخطأ غير مقصود، وبالطبع يكون الجزاء احتفاليا وأمام الزبونات الساكتات عن الحق، تحت عنوان أن لا دخل لي.
هن أنفسهن الزبونات بالمناسبة اللواتي إن قرأن قصصا مشابهة على مواقع التواصل الاجتماعي، يقمن الدنيا ولا يقعدنها لجانا وحملات ومنشورات ضد المعاملة غير الإنسانية والإدارة المتعسفة.
كل ما فعلته أسيل تلك الليلة أنها تحدثت قليلا مع إحدى الزبونات حول قصتها وأحوالها المتعبة، بعد أن استشعرت حنانا طارئا على صوت وملامح السيدة، والتي كما ظهر لاحقا كانت فقط تضيع وقت التجميل بالكلام!
اللواتي نقلن الصورة، تحدثن عن ردة فعل غير مسبوقة لامرأة من المفترض أنها تدير واحدا من أهم مراكز التجميل عراقة وشهرة. تظهر على شاشات التلفاز بوجه باسم محبب وترسم على شفتيها ضحكة طيبة ترافقها عينان صغيرتان مريحتان. تتحدث بصوت عميق هادئ وتسدي نصائح وجودية عن جدوى الجمال، والرضا عن النفس.
هي ذاتها، أمرت زميلات أسيل بجرها أمام الناس إلى غرفة معتمة، وسكتت عندما دخلت إحدى المنافقات إليها لتلقنها درسا “جسديا” على مسمع الجميع، وكل ذلك من دون أن يتحرك ساكن لضمير واحد، ذلك لأن الردود من صاحبة المكان وموظفاتها جاهزة، توجه لأسيل أفظع التهم أقلها السرقة، وآخرها قضايا تتعلق بسمعتها!
كل ذلك لم يسرع من الاستغناء عن “خدمات” الطفلة، لأن أهلها وقعوا عقدا لثلاث سنوات مع المركز كما أفصحت صاحبته.
في مكان آخر وبعيد عن هذه الضجة، كان يمكن أن تكون هذه الفتاة واسمها الحقيقي أسيل، على مقاعد دراستها الثانوية، ترسم على ظهر كتاب القواعد والنحو صورة صبية بلا مساحيق تعبر من بوابة كلية الحقوق، إلى حيث الحلم البسيط وروب المحكمة وميزان عدل لا يميل.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock