أفكار ومواقفالكتّاب

أشباح الإصلاح.. مخاوفه ومحاذيره وضروراته

بدأت ترشح للإعلام مجموعة من مخرجات لجنة التحديث الملكية، ويتصاعد بالتوازي مع ذلك كثير من الملاحظات الجديرة بالاهتمام والتأمل، وتبدو اللجنة منفتحة على التواصل مع القوى المؤثرة وتفهم النوازع والدوافع وحتى المحاذير التي تحملها تجاه أعمال اللجنة، وهذه أمور صحية وجيدة، ولكنها تبقى أعمالاً متعلقة بالبنية الفوقية، أي الأدوار العليا التي يفترض أن تتنافس على حصة من المشاركة في الحياة السياسية خلال المستقبل القريب.

أهدرنا السنوات الماضية التي يمكن التأريخ لبدايتها مع انطلاق الربيع العربي لأسباب موضوعية مثل الأوضاع في سورية والعراق وفترة رئاسة ترامب وتقلباتها وصفقاتها، وأسباب ذاتية مثل الارتكان إلى الحكومات التي تتشكل أساساً من شخصيات لن تجد مكاناً لها في خضم عملية إصلاحية تعيد تشكيل النخبة، وبالتالي لا تمتلك الحافز اللازم للإصلاح، إن لم تكن أحياناً في الخندق المناهض للإصلاح من خلال العمل على إنتاج الأزمات وإعادة تدويرها.

اللجنة في تشكيلاتها المرهقة من الناحية الفكرية والإدارية تعتبر مقاربة للإفلات من استغلاق المسار الإصلاحي داخل نفس الصندوق التقليدي، ولذلك كان الصخب متوقعاً أن يرافق أعمالها، والترجمة العملية لذلك أتت في استقالة عضوين، وفي وجود مطالب لاستقالات أخرى.

يجتمع الأعضاء المكلفون بالبحث عن تصورات للتحديث السياسي مع بعضهم بعضا، ومع أشباح كثيرة تهمس برغباتها أو تصرخ بمخاوفها، وتجيد هذه الأشباح استثارة الريبة لدى المواطنين، فإعادة هندسة التمثيل السياسي للوطن والمحافظات تتحول إلى افتئات على مكتسبات المحافظات وحصتها، والحديث عن خفض سن المرشحين لتمكين الشباب من المشاركة يتحول إلى بوابة إلى التوريث السياسي، ولذلك فالمنازلة المقبلة حول المشروع الإصلاحي ستكون مرتبطة بالوعي الشعبي والتوافق حول المفاهيم.

التعامل مع الغرائز في المجال السياسي مسألة على قدر كبير من الأهمية، ولا يمكن للإصلاح السياسي أن يحيد جميع المخاوف، وببساطة يمكن للبعض أن يتضرر من الإصلاح، فالاستثناءات التي تمنح بناء على تأثير النائب الاجتماعي والسياسي ستتغيب في منظومة سياسية سليمة وصحية، وهذه مسألة مهمة في ظل أزمة اقتصادية واسعة وتزيد اتساعاً مع الوقت، فلماذا ستتخلى بعض الفئات عن طوق نجاتها الذي تتحصن به؟

الدولة، أي دولة، ليس الأردن وحده، في مأزق حقيقي مع الواقع الذي يفرضه العصر الجديد، والواضح بعد جائحة الكورونا أن الدولة القوية هي التي تستطيع أن تتصدى للمشكلات المرتقبة والتي أصبح حصولها مسألة وقت لا أكثر، ولكن شروط الدولة القوية أصبحت مختلفة في عصر السيولة، أي العصر الذي لم يعد ممكناً فيه السيطرة على أدوات الخطاب مع الجمهور من قبل الدولة، فالمواطنون لا يتلقون الخبر وتفسيره من نشرة أخبار الثامنة وحدها، وأساساً لم يعد أحد مهتماً بها.

السيولة الراهنة تشتت المسؤولية، فالحديث عن المشكلات وحلولها باستخفاف البث المباشر الذي مارسه البعض، وكان مجدياً أحياناً، لا يمكن أن يعطي أي نتيجة ملموسة، والحلول تتمثل في أن يشتبك الجميع مع المسؤولية وأن يتقاسموا بصورة عادلة نتائج النجاح والفشل، وأن يتعلموا ما الذي يعنيه التشبث بالموقف أو التنازل الاستراتيجي التكتيكي، لا أن يبقوا في موضع التنظير الاسترخائي وأن يجدوا شماعة جاهزة تتحمل وحدها مسؤولية الإبحار في نهر هائج ومضطرب.

الإصلاح السياسي هدفه المحافظة على مناعة الدولة وتجديد الدماء الراكدة في منظومة توجيهها وإدارتها، وعلى اللجنة أن تكون صريحة في ذلك، فالهدف هو صيانة سفينة الدولة بوصفها منظومة تواجه مشكلات نوعية ومستجدة، والدولة معنية أساساً بالحفاظ على المجتمع وسلامته وإدامة ما يلزم لأجل ذلك مثل سيادة القانون والعدالة، أما الدولة التي تقدم الوعود بتقديم حلول للأفراد والفئات من أجل تحقيق مصالحها فهي دولة غير واقعية وغير قابلة للاستمرار، فأقصى ما تستطيع الدولة تقديمه، إن لم تكن دولة ثرية بالموارد الطبيعية قائمة على عقد ريعي، هو تمهيد البيئة اللازمة من أجل منافسة عادلة ومستدامة مع شبكة أمان اجتماعي تحفظ كرامة المواطنين وتحترم ظروفهم وحاجاتهم.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock