السلايدر الرئيسيالغد الاردنيتحقيقات

أطفال سكري يتحولون لـ”حقل تجارب” لمدّعي العلاج بالأعشاب

تحذيرات رسمية "خجولة" و"الغذاء والدواء" تؤكد عدم الصلاحية

حنان الكسواني

عمان – يجد محتالون في أطفال السكري فرصة لتحويل أجسامهم الى حقل تجارب سواء بحقنهم بخلايا جذعية او بإعطائهم خلطات عشبية غير مرخصة بعد ايهامهم بقدرتها على شفائهم والتخلي عن العلاج الوحيد وهو إبر أنسولين.
هؤلاء المتاجرون بصحة الاطفال من أجل تحقيق أرباح مالية يلجأون باستمرار الى تغيير أساليبهم التسويقية لاصطياد زبائنهم، مستغلين تداخل الصلاحيات بين الجهات الرسمية والأمنية لملاحقتهم قانونيا، عدا عن ضعف مجتمعي ما يزال يجهل المكان الذي يجب أن تقدم الشكوى فيه، وآخرون يترددون بتقديمها حسب قول بعضهم لـ “الغد”.
صراع داخلي مستمر بين ذوي أطفال السكري وسعي حثيث لعلاج شاف لأطفالهم للتخلص من إبر وعلاجات ترهق أجسامهم، وحمية غذائية تتحكم برغبات طفولية، وبين تبعات علاجات عشبية غير مرخصة وصلت تخوفات بعض الأهالي منها بأنهم “شركاء مع المحتالين بتقديم أجسام اطفالهم كحقل تجارب، خاصة ممن اكتشف اصابة طفله حديثا”.
ويقر الأهالي أن التعايش مع مرض السكري ليس سهلا، كونه مرضا مزمنا يستلزم تغييرا في نمط الحياة، ومتابعة طبية وغذائية، ومراقبة منزلية على شريحة صعبة من الأطفال والمراهقين، وما يتخلل هذه الفترة من تغييرات هرمونية ونفسية وغيرها.
“في يوم واحد يختفي السكري”
حديثا، ظهر على الساحة بين أهالي أطفال السكري شخص يدعى أبو عمار- اسم مستعار- بات يدغدغ عواطف الأهالي ويقنعهم انه “في يوم واحد بس بخفيلكم السكري من جسم أطفالكم”، هذه العبارة وقعت على مسامع أغلب الأهالي مثل “الصاعقة” ما بين مصدق ومكذب له، لكن “الغريق يتعلق بقشة” بحسب قولهم.
ووسط تحذيرات “خجولة” أطلقتها مؤسسة الغذاء والدواء عبر موقعها الالكتروني من انتشار أدوية غير مرخصة لعلاج عدة أمراض مزمنة، انتقلت أخبار أبو عمار بسرعة البرق عبر تطبيق الهاتف الخلوي، تطبيق (واتساب) وتشكلت مجموعات خاصة بأرقام هواتف أردنية وعربية تؤكد نجاعة علاجه.
تحت بند “شير الخير” بدأ الاهالي يتفاعلون مع “المحتال” الذي تستر تحت غطاء الدين عندما أطلق على مجموعة أطفال السكري “وإذا مرضت فهو يشفين” في حين يحظر أي شخص يناقشه علميا من المجموعة ويلغي رقمه مباشرة.
الاسبوع الماضي، بدأ الأربعيني ابو عمار بجولات مكوكية في أغلب المحافظات للترويج لـ “منتجين عشبيين بزعم الشفاء التام” وإقناع أهالي الاطفال بالشراء منهما شريطة تحويل 300 دينار للنوع الاول و200 دينار للنوع الثاني الى حسابه البنكي قبل تسليم “دواء المعجزة” حسب ادعاءاته، وتشمل هذه المبالغ التوصيل والمتابعة حتى الشفاء.
“ابنك في مرحلة في شفاء تام، وتحول الى من النوع الأول إلى الثاني، الامر كثير بسيط” حسب تسجيلات صوتية لـ “المحتال” حصلت “الغد” على نسخة منها وفندتها رئيس الجمعية الاردنية للعناية بالسكري الدكتورة نديمة شقم التي أكدت انه “لا يمكن ان يتحول السكري الأول الى الثاني وهذه المعلومة ماهي الا اكذوبة ويجب ان يتحول كل من يدعي انه عالم وخبير الى القضاء كونه يتسبب بايذاء قصدي للأطفال”.
وفيما اقتنع عدد من أهالي أطفال السكري بقدرة “المحتال” بأن يحول الأعشاب الى محلول وريدي يخلصهم من ابر الانسولين، ارتفعت في المقابل تحذيرات اختصاصيي سكري الاطفال بعدم “ترك الانسولين العلاج الوحيد وأن تركه سيؤدي الى نتائج صحية وخيمة قد تصل الى الوفاة”.
ولمزيد من اقناع الاهالي بشراء منتوجاته، لجأ أبو عمار الى استخدام قصة ابنه المصاب بالسكري قائلا “جربت خلطاتي على ابني والحمد لله كتب له الشفاء” موضحا “ان علاجه يحتوى على 12 معطرا طبيا يصعب فحصه مخبريا او تحليله”.
وأشار في سياق ترويجه لأعشابه “لو أنني اطمح لتجارة لكنت رفعت ثمن العلاج الى 1000 دينار اردني او ذهبت به الى دول خليجية تقدر علمي وتعبي”، مدعيا بأن أحد العروض المغرية التي انهالت عليه من احدى الدول العربية لشراء علاجه “المزعوم” وصل الى 4 آلاف دولار لـ “الكورس” الواحد لكن هدفه بحسب قوله “ان يصل الى نسبة شفاء عالية وان تتبنى شركة علاجه وتحوله الى حقن بالوريد”.
وأوضحت رئيسة الجمعية شقم ان “السكري من النوع الاول يحدث نتيجة عجز البنكرياس عن إفراز الأنسولين ولا يوجد بديل له حتى الآن”، مشددة على “عدم وجود طب بديل في علاج السكري الاول للاطفال، لكن ما يحدث ان هذه مزاعم لنصابين يستغلون نقطة ضعف المواطن وخصوصا أمراض الطفولة”.

صورة لـ”واتساب” من هاتف مدعي العلاج بالأعشاب تين الأسعار والمطلوب – (الغد)

من يعارض “المحتال” يحظر رقمه
تتعرض الثلاثينية سارة كثيرا لهؤلاء النصابين وابتكاراتهم “العبقرية” وطرق ترويجهم لشراء منتجاتهم العشبية، بينما يلجأ البعض الى استخدام السحر والشعوذة، لكنها تتصدى لهم بالعلم والمعرفة حول طبيعة المرض منذ اصابة ابنتها الكبرى قبل 8 سنوات.
“لا بد لأطفال المصاب بالسكري أن يفحصوا دمهم 5 مرات يوميا باستخدام شرائح خاصة، فضلا عن وخز أجسامهم بإبر انسولين 7 مرات يوميا”، تقول سارة لـ “الغد”.
ومن الفحوصات الطبية الروتينية التي يطلبها اختصاصي السكري من الأم رشا لأطفالها الثلاثة: فحص تراكمي معدل السكر بالدم كل 3 أشهر، فحص الغدة الدرقية، وظائف الكبد والكلى، فحص الشبكية وفيتامين (د) وغيرها، غير أن هذه الفحوصات لم تدرج ضمن قائمة المحتال ابو عمار التي اقتصرت على “مقاومة الانسولين وكفاءة البنكرياس”.
فيما يتعلق بالتحكم في رغبة أطفالها في تناول الحلويات والسكريات، تقول رشا: “لا أحرمهن من شيء، لكن بمقدار، مع الالتزام بأخذ حقنة الأنسولين وفق كميات السكر الموجودة في أي مادة يتناولنها”.
الأربعينية أم جود التي حذف أبو عمار رقمها من المجموعة تقول، عندما سألته عن تفاصيل بروتوكول العلاج المتبع وبخاصة الفحوصات المطلوبة، قال عبر مراسلاته الموثقة “ان معلوماتكم الطبية باطلة”، مضيفا “الي بدو العلاج يراسلني على الخاص وأنا بالنسبة الي ما بدي الا مجموعات متفاعلة، 80 شخصا معي حتى الآن متفاعل معي 15 شخصا”.
فعليا، بدأ الاهالي يتفاعلون: أم محمد لديها ابن مريض بالسكري من النوع الأول، تقول “بفضل من الله سمعنا عن المعالج ابو (…) وتم التواصل معه واخذ العلاج، والحمد لله تم قطع الانسولين وهناك تحسن واضح”.
أما الطالبة الجامعية مرام -اسم مستعار- المصابة بالسكري منذ 7 سنوات فتؤكد في حديثها لـ “الغد” انها “انقطعت عن ابر الانسولين منذ 20 يوما وبدأت علاجها المكون من 3 انواع عشبية مغلية وكبسولات وبودرة يتم تناولها بالمعلقة، الى جانب حمية غذائية خاصة الابتعاد عن تناول النشويات والحلويات”.
لكن المريضة (مرام) لم تفصح عن أي نتائج ايجابية او سلبية كونها تخضع للتجربة، “لكن الفحوصات الجديدة ستكشف عن ادعاءات او صحة المنتج”، حسب قولها، “انها دفعت 300 دينار شامل التوصيل كونها مصابة بالسكري من النوع الأول”.
وتؤكد الدكتور شقم أن أبحاثا ودراسات عالمية تجرى باستمرار لعلاج شاف للسكريين الا ان هذه العلاجات العشبية “لا بوجد اي إثبات طبي او بحث يثبت صلاحية هذا الدواء او هذه التركيبة، وبالتالي لا يجوز أن يكون اطفال السكري او مرضى السكري حقل تجارب لأي مستحدث دون ترخيص”.
مطالبات بملاحقة المحتالين قضائيا
بدوره تقدم المواطن ابو ربيع والد طفلة “سكرية” بشكوى رسمية الى مؤسسة الغداء والدواء التي أوضحت بدورها “عدم الاختصاص في ملاحقة من يروج منتجات غير مرخصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي الا اذا وصل المنتج الى السوق”، معربا عن امله “بإرسال شكواه ضمن القنوات الرسمية الى وحدة الجرائم الالكترونية وهيئة الإعلام المرئي والمسموع لملاحقة المحتالين”.
وبناء على ذلك، طالبت د. شقم بتفعيل التشريعات الناظمة بخصوص الاشخاص او المؤسسات والمراكز التي تسوق للمواطنين منتوجات غير مرخصة وتروجها بأسعار خيالية مع أهمية فحصها لمعرفة مكوناتها “القاتلة”.
وتنص المادة 62 من قانون الصحة العامة على “يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن أربعة اشهر ولا تزيد على ثلاث سنوات او بغرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار ولا تزيد على عشرة آلاف دينار او بكلتا هاتين العقوبتين كل من: تسبب بإحداث ضرر على الصحة العامة ناجم عن سوء تداول المواد الكيماوية”.
ويصل أعداد الاطفال المصابين بالنوع الأول من السكري في المملكة حوالي 10 آلاف طفل تحت سن 18 وفق تقديرات الجمعية الاردنية للعناية بالسكري التي أكدت أن “هذه النسبة تضاهي النسب العالمية والتي تتراوح بين 2 الى 10 %”.
وتقدر تكلفة علاج الطفل الواحد بـ 100 دينار شهريا حسب نوع الحالة التي يعاني منها، وهو ما يجعلهم في تحدٍّ كبيرٍ ومستمر مع هذا الداء المزمن وفق شقم التي تؤكد ان “السكري يهدد أغلب الأعضاء الحيوية في جسم الإنسان، ويزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب، والعمى والفشل الكلوي، وغيرها في حال عدم مراقبته بالشكل الأمثل”.
حملات توعوية رسمية ضعيفة
وتبقى الحملات التوعوية “ضعيفة”، اذا لم تتكاتف جميع الجهات الرسمية والمجتمعية بالتصدي لمن يتاجرون بحياة الناس ويستغلون ضعفهم”، بحسب رئيس نادي أطفال السكري سابقا في الجمعية الاردنية للعناية بالسكري الدكتور رشاد نصر الذي “وصف التوعية بخط الدفاع الاول لدى السكريين”.
ومن المخاطر الصحية التي يشير اليها د. نصر أن “السكري في حالة اهمال علاجه هو المسؤول الأول عن الإصابة بالفشل الكلوي، والسبب الأساسي لفقدان البصر”.
وتعمل الجمعية منذ 28 عاماً، على التوعية الصحية والكشف المبكر عن مرض السكري، وتقديم كل ما هو جديد لمكافحة المرض طبقاً لأحدث الدراسات العالمية، حسب شقم التي اكدت أهمية نشر التوعية بين الأهالي الذين يلهثون وراء أي علاج عشبي او زراعة خلايا جذعية دون اللجوء للجمعية او لأصحاب الاختصاص للتحصن في معلوماتهم.
ومن خلال مشاهداته ومعايشته لعدد كبير من الأطفال المصابين بالسكري وذويهم يقول د. نصر وهو استشاري الغدد الصم والسكري، أن “هناك كثيرا من الأسر تتعامل مع الأمر على أنه مأساة وزلزال وقع في كيان الأسرة لكنه من الامراض المزمنة التي لا بد ان يتم التعايش معها”.
وتظهر أعراض الإصابة على الأطفال واليافعين بشكل فجائي وحاد من خلال فقدان الشهية وفقدان الوزن وكثرة التبول والشعور العام بالعطش وقلة النشاط والتركيز والدوخة، مضيفا “في حال لم يتنبه الأهل للأعراض والمسارعة إلى العلاج فقد تتطور الحالة إلى غيبوبة ويتم تشخيص المرض من خلال إجراء فحوصات مخبرية للدم والبول”.
الى ذلك، تواصل المؤسسة العام للغذاء والدواء تحذيراتها الرسمية عبر موقعها الرسمي للمواطنين من أي منتج غير مجاز أو أي منتج يحمل ادعاءات غير صحيحة وغير علمية، معتبرة أن هذه الإعلانات “مضللة للمواطنين لغايات تحقيق الكسب” غير أن تحذيراتها تقتصر على موقعها الالكتروني عبر صفحة “الفيس بوك” فقط.
وتدعو المؤسسة المواطنين الى “عدم التردد بالاتصال مع المؤسسة من خلال الموقع الالكتروني المرتبط مع رئاسة الوزراء او رقم هاتف الشكاوى المجاني (117114) او من خلال رقم “الواتس أب” (0795632000) عند ملاحظة أي من تلك المنتجات في الأسواق أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
الى ذلك، تشير المادة 8 من قانون الصحة العامة بأنه “لا يجوز نشر الإعلان الا بموافقة الوزير، في حين أن المادة 35 من القانون ذاته توضح أنه لا يجوز الاعلان والترويج لأي مادة لها صفة دوائية بأي وسيلة من وسائل الإعلام الا بموافقة نقابة الصيادلة”.
ويبقى حلم الطفلة السكرية ندى (12 عاما) “قراءات يومية متوازنة لفحص السكري، وإيقاف وخزات الأصابع بجهاز حساس لا تستطيع توفيره بسبب غلاء ثمنه، والتوقف عن أخذ إبر انسولين في جسدها الذي أصبح يشبه الغربال”.

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
41 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock