أفكار ومواقف

أطفال في مهب الريح

محمود الخطاطبة

آخر مسح وطني حول عمل الأطفال كان في العام 2016، والذي كشف عن وجود 76 ألف طفل عامل، منهم 44 ألف يعملون في مهن خطرة، بينما تؤكد مؤسسات مُجتمع مدني أن العدد يفوق الـ100 ألف.

وفي غمرة احتفال دول العالم، ومن بينها الأردن، باليوم العالمي لمُكافحة عمل الأطفال، والذي صادف يوم الأحد الماضي، فإن الرقم المُعلن من قبل الجهات الرسمية (76 ألف طفل)، أو ذلك الذي تؤشر عليه مؤسسات المُجتمع المدني (100 ألف طفل)، مُرعب ومُخيف في الحالين، له آثار سلبية سيكتوي بنيرانها الطفل أولًا، الذي سيُصبح عما قريب رب أسرة، والعائلة ثانيًا، والوطن أو المُجتمع ككل ثالثًا.

قد تكون مُعالجة هذه «الظاهرة»، صعبة في الوقت الحالي وكذلك المُستقبلي القريب، لكنها وبكل تأكيد ليست مُستحيلة، في حال توفرت الإرادة الحقيقية والشجاعة في اتخاذ القرارات والإجراءات، بما تتضمنه من تفعيل العقوبات أولًا ضد أولئك الذي يستغلون «فُرسان المُستقبل»، وتشديدها ثانيًا، بلا أي مُهادنة أو تراخ.

تلك «الظاهرة» مُرتبطة وبشكل وثيق بثُنائية الفقر، الذي تزداد مُعدلاته يومًا بعد يوم، والبطالة، التي تزداد نسبتها حتى وصلت إلى أرقام تدق ناقوس الخطر، فالإحصاءات الرسمية تؤكد أن نحو ربع الأردنيين واقعون في براثن هذه الآفة، في حين أرقام مؤسسات مُستقلة تُظهر أن النسبة أكثر من ذلك.. فإذا ما أرادت الدولة حلها، يتوجب عليها العمل وبكل ما أوتيت من قوة للقضاء على هاتين الآفتين أو على الأقل التخفيف من حدتهما.

من آثار تلك «الظاهرة»، هو ترك أو هجرة الأطفال للتعليم، الذي كفله الدستور الأردني، وبالتالي التأثير سلبًا على شخصياتهم، وجعلهم أكثر عُرضة لأمور لا تُحمد عُقباها، وبالتالي التسبب بخسارة لمُجتمع، خلق أكثر من خريطة طريق للاستثمار بالطفل الأردني، الذي بالأصل أن يقوم بعد أعوام قليلة بتحمل مسؤولية التخطيط لبناء الوطن وازدهاره وتطوره والدفاع عن حماه.

نسبة ليست بسيطة من الأُسر الأردنية تدفع بأطفالها إلى سوق العمل، في سبيل تأمين لقمة عيش للعائلة التي ينتمي إليها الطفل العامل، أو المُساعدة في تأمين مصروفات البيت، غير مُبالين بالأوضاع المأساوية لمثل هذه الفئة، في سوق لا يرحم أيًا كان، في سبيل تحصيل المزيد من الأرباح وتكبير رأس ماله، ولو كان على حساب بُناة الغد.

الحل لتلك «الظاهرة» ليس مُستحيلًا، كما ذكرت سالفًا، فبرامج الحماية الاجتماعية وجدت من أجل مساعدة أُسر معوزة أو فقيرة أو محدودة الدخل، أجبرتها الظروف وسياسات وقرارات وإجراءات الحُكومات المُتعاقبة، والتي جاءت بالتزامن مع أوضاع اقتصادية صعبة، وجائحة فيروس كورنا، على التضحية بفلذات أكبادها.

نقطة أخرى، يجب التأشير إليها والتي تتعلق بغياب دراسات حول هذه «الظاهرة»، إذ كانت آخر دراسة في العام 2016، أي قبل ستة أعوام، والتي بالتأكيد زاد خلالها عمل الأطفال.. ويبقى السؤال لماذا لا تقوم الجهات الرسمية المعنية بعمل دراسة بشأن ذلك كل عامين على الأقل؟.

من حق أي طفل التمتع بحقوقه وطفولته كغيره من أقرانه، بغض النظر عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية للأُسرة، فالطفل عندما يفقد حقه في التعليم والصحة والمسكن والملبس والتمتع بطفولته كغيره، حتمًا سيُصبح في المُستقبل حاقدا أو حاسدا، لا يُشكل له الانتماء، سواء للأُسرة أو المُجتمع، أي قيمة!.

المقال السابق للكاتب 

مشروع حمزة للتراث والفنون والإبداع يستحق الدعم

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock